مداد

بعيداً عن السياسة.. أصالة أصالة

7 سبتمبر 2026
بعيداً عن السياسة.. أصالة أصالة

منذ زمن لم تفعل بي أغنية ما فعلته (أصالة)، فقد استمعت إليها مرة، ثم ثانية، ثم وجدتني أعود إليها لا لأسمعها، بل لأقيم فيها قليلاً.

لحن فيه شيء من الشام، وصوت كأنه عائد من سفر طويل، وكلمات لا أعرف إن كانت تتحدث عن حبيب ام حبيبة أم وطن أم عمر مضى، وكلما حاولت أن أحدد سرها، أفلتت مني وذهبت إلى مكان آخر.

قبل أكثر من عشر سنوات، كتبت عن أغنية أحببتها أنها "في وصولها السريع إلى القلب لا تمر بالجوارح".

اليوم، وبعد كل هذه السنوات، اكتشفت أن بعض الأغاني تفعل ما هو أخطر، انها تمر بالجوارح كلها.. تمر بالقلب، وبالذاكرة، وبالمدن التي عشنا فيها، وبالذين أحببناهم، وبالذين فقدناهم، وبنسخ قديمة من أنفسنا ظننا أننا نسيناها، ثم تستقر هناك.. في ذلك المكان الذي لا نعرف له اسماً، لكننا نسمي وجعه حين يفيض: الحنين.

فقد أسرني اللحن أولاً، ذلك اللحن الذي لا يمشي بك في خط مستقيم، بل يأخذك صعوداً ثم يعيدك برفق، يفتح فيك نافذة ثم يغلقها، يرفعك قليلاً فوق نفسك ثم يتركك تهبط إلى مكان قديم فيك، مكان تعرفه جيداً، لكنك لا تزوره كثيراً.

ثم دخل صوت أصالة، وهنا، بالنسبة لي، بدأت الأغنية حقاً، فثمة أصوات تدخل على اللحن، وثمة أصوات يبدو لك أن اللحن كله كتب كي يصل إليها.

كان دخولها من النوع الثاني، فقد دخلت كأنها تعرف الطريق مسبقاً، بلا استعراض، بلا عجلة، وبذلك الدفء السوري الذي لا يحتاج إلى تعريف نفسه، ثم بدأت تصعد وتهبط مع الجملة، مرة تقترب حتى تكاد تهمس في أذنك، ومرة تفتح صوتها فيتسع معه شيء في صدرك.

ولست موسيقياً لأشرح ما حدث بالمقامات والنوتات، ولا أريد أن أكون، فبعض الموسيقى يفسدها التشريح، وكل ما أعرفه أنني في مواضع منها كنت أنتظر صعود صوتها وأنا أعرف أنه قادم، وحين يأتي يؤثر في كما لو أنني أسمعه للمرة الأولى.

استمعت إليها مرة، ثم ثانية، ثم لم أعد أحصي، وفي كل مرة كنت أكتشف أنني لا أعيد الأغنية لكي أسمع كلماتها، بل لأصل مرة أخرى إلى تلك اللحظات، إلى انعطافه في اللحن، إلى دخول صوت، إلى ارتفاع مفاجئ، إلى هبوط حنون، إلى مدة صوتية صغيرة لا تستغرق سوى ثوان، لكنها تترك في النفس ما لا تتركه خطبة من ألف كلمة.

الغريب أن الأغنية ليست حزينة، وليست مفرحة أيضاً، إنها تقيم في تلك المسافة المربكة بين الاثنين، حيث لا تعرف إن كنت تريد أن تبتسم أم تصمت، أن تشتاق أم تكتفي بالإنصات.

كما ان فيها شيء من الشام لا أعرف كيف تسلل إليها، ليس اللهجة وحدها، ولا صوت أصالة لأنها ابنتها.. لا انه شيء آخر، ربما هو ذلك الشجن الذي تعرفه المدن القديمة، شيء يشبه مساءً دمشقياً حين يبرد الحجر وتفوح رائحة الياسمين، فلا يحدث شيء يستحق الحزن، ومع ذلك يمتلئ القلب بحزن جميل لا تريد له أن يزول.

ولعل أجمل ما فعلته بي (أصالة) أنها أعادتني، للحظات، إلى علاقتي القديمة بالموسيقى، وأن أسمع بلا تحليل، وأن أعجب بلا أسباب، وأن أعيد المقطع لأن قلبي طلب ذلك، لا لأن عقلي وجد فيه شيئاً يستحق الدراسة.

منذ أكثر من عشر سنوات قلت عن أغنية أحببتها إنها لا تمر بالجوارح، أما هذه، فقد مرت بها واحدةً واحدة.. ثم بقيت.

شارك المقال f 𝕏 in