لندن - سدن
29 كيلومتراً فقط تفصل بين اليمن والقرن الإفريقي، لكنها تكفي لربط آسيا بأوروبا، والبحر الأحمر بالمحيط الهندي، وقناة السويس بأحد أهم طرق التجارة والطاقة في العالم.. هنا يقع باب المندب، المضيق الذي قد تتحول السيطرة على ضفته اليمنية إلى واحدة من أخطر أوراق القوة في المنطقة.
فالحوثيون المتحالفون مع إيران، يسعون إلى توسيع نفوذهم على الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر، في تطور يتجاوز بكثير حدود الصراع الداخلي في اليمن، إذ إن الاقتراب من إحكام السيطرة على المواقع المطلة على باب المندب يعني امتلاك قدرة أكبر على تهديد حركة السفن في واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.
والأخطر أن أهمية باب المندب تتضاعف في ظل الصراع الإقليمي والدولي الأوسع، فكل اضطراب في هذا المضيق ينعكس مباشرة على قناة السويس، وعلى طرق التجارة بين آسيا وأوروبا، وعلى حركة ناقلات النفط والغاز.
بوابة البحر الأحمر
يقع باب المندب عند الطرف الجنوبي للبحر الأحمر، فاصلاً بين اليمن في شبه الجزيرة العربية وجيبوتي وإريتريا في القرن الإفريقي.
ويبلغ عرض المضيق نحو 29 كيلومتراً عند أضيق نقطة، وتتوزع الملاحة فيه على ممرات تفصل بينها جزيرة بريم اليمنية، المعروفة عربياً باسم ميون.
ولا تأتي أهميته من ضيق مساحته فقط، وإنما من موقعه، فالسفينة القادمة من المحيط الهندي والمتجهة إلى البحر الأحمر وقناة السويس تحتاج عملياً إلى عبور هذه البوابة، والعكس صحيح بالنسبة إلى جزء كبير من حركة السفن الخارجة من السويس باتجاه آسيا، ولهذا فإن باب المندب ليس مجرد مضيق يمني أو عربي، بل عقدة أساسية في شبكة التجارة العالمية.
الجزر والساحل.. من يراقب البحر؟
إلى الشمال من المضيق تقع جزر حنيش، بين الحديدة والمخا، وهي مواقع تمنح أهميتها الجغرافية قدرة كبيرة على مراقبة الحركة البحرية في جنوب البحر الأحمر.
أما الحديدة، فتتمتع بأهمية خاصة بعدما استخدمها الحوثيون خلال السنوات الماضية ضمن البنية التي استندت إليها عملياتهم في البحر الأحمر.
وكلما اتجه النفوذ الحوثي جنوباً باتجاه المخا وذوباب ومحيط باب المندب، ازدادت حساسية المشهد، لأن المسألة لم تعد متعلقة بالسيطرة على مدن ساحلية فحسب، بل بالاقتراب من نقاط جغرافية تسمح بتهديد الملاحة ورصدها والتأثير فيها.
وتبرز ذوباب وجزيرة ميون تحديداً باعتبارهما من أكثر المواقع حساسية، نظراً لقربهما المباشر من المضيق ومسارات السفن العابرة له.
لماذا يخشى العالم إغلاقه؟
تمر عبر باب المندب كميات ضخمة من البضائع والطاقة المتجهة بين آسيا وأوروبا، وهو يمثل البوابة الجنوبية للطريق البحري المؤدي إلى قناة السويس.
وفي الظروف الطبيعية، تختصر هذه المنظومة آلاف الكيلومترات مقارنة بالطريق البديل حول رأس الرجاء الصالح في جنوب إفريقيا.
ولهذا فإن أي تهديد جدي للملاحة في باب المندب لا يبقى حدثاً عسكرياً محلياً، فالسفن التي تتجنب البحر الأحمر تضطر إلى الالتفاف حول القارة الإفريقية، ما يعني رحلات أطول، واستهلاكاً أكبر للوقود، وارتفاعاً في أجور الشحن والتأمين، وتأخير وصول البضائع، واضطراب سلاسل الإمداد، أي بعبارة أخرى، يمكن لصاروخ أو مسيّرة تطلق من الساحل اليمني أن تظهر آثارها الاقتصادية بعد فترة قصيرة في موانئ وأسواق تبعد آلاف الكيلومترات.
تجربة 2023 كشفت حجم الخطر
وقد اختبر العالم بالفعل جانباً من هذا السيناريو، فمنذ أواخر عام 2023، شن الحوثيون سلسلة هجمات على السفن في البحر الأحمر وباب المندب، معلنين ارتباط عملياتهم بالحرب في غزة، وسرعان ما دفعت المخاطر الأمنية عدداً من أكبر شركات الشحن والطاقة العالمية إلى تحويل بعض رحلاتها بعيداً عن البحر الأحمر وقناة السويس، واختيار الطريق الأطول حول إفريقيا، وكانت النتيجة واضحة في ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وزيادة زمن الرحلات، واضطراب جزء مهم من التجارة بين آسيا وأوروبا، وكل ذلك حدث من دون إغلاق كامل للمضيق.
ماذا لو أحكم الحوثيون قبضتهم؟
هنا تكمن المسألة الأخطر، فالسيطرة على الساحل لا تعني قانونياً أو عسكرياً امتلاك المضيق بأكمله، فباب المندب ممر دولي، وضفته الأخرى إفريقية، كما أن القوى البحرية الدولية قادرة على العمل داخله وحوله، لكن امتلاك مواقع عسكرية قريبة منه، مع صواريخ مضادة للسفن ومسيرات ووسائل استطلاع، يمكن أن يمنح الحوثيين قدرة تعطيل قد تكون أكثر أهمية من السيطرة الرسمية نفسها.
فبعد التجارب، نستطيع القول، انه وفي الممرات البحرية، لا تحتاج القوة المسلحة دائماً إلى إغلاق البحر حتى تؤثر فيه، يكفي أحياناً أن تجعل المرور خطراً ومكلفاً إلى درجة تدفع شركات الملاحة إلى الابتعاد عنه طوعاً، وهذا تحديداً ما يجعل تمدد الحوثيين باتجاه باب المندب مسألة تتجاوز اليمن.
هرمز من الشرق.. وباب المندب من الغرب
وتزداد خطورة الصورة عند النظر إليها من زاوية الصراع الإيراني الأميركي، فإيران تمتلك موقعاً استراتيجياً مباشراً على مضيق هرمز، الذي تمر عبره كميات هائلة من صادرات الطاقة الخليجية، وإذا امتلك حليف وثيق لطهران قدرة أكبر على تهديد باب المندب، فإن شبكة الضغط الإيرانية ستقترب من التأثير في اثنتين من أهم عقد الملاحة والطاقة في المنطقة، الأولى عند مدخل الخليج، والثانية عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وهنا يتحول الحوثيون، من جماعة مسلحة تخوض حرباً داخل اليمن، إلى عنصر قادر على التأثير في معادلات تتعلق بالنفط والتجارة وقناة السويس والأمن البحري الدولي.
وتشير بيانات شركة كيبلر إلى أن المنتجات النفطية التي عبرت باب المندب في حزيران/يونيو مثلت ما يعادل نحو 7 في المئة من إنتاج النفط العالمي، وهو رقم يوضح حجم المصالح المرتبطة ببقاء الممر مفتوحاً وآمناً.
لهذا لا تقاس أهمية باب المندب بعرضه البالغ 29 كيلومتراً، بل بما يمر داخله وما يتصل به، ففي الشمال قناة السويس والبحر المتوسط وأوروبا، وفي الجنوب المحيط الهندي وطرق آسيا، وعلى جانبيه اليمن والقرن الإفريقي، وخلفهما صراع إقليمي تتداخل فيه الولايات المتحدة وإيران ودول الخليج وقوى دولية كبرى.
وإذا نجح الحوثيون في امتلاك قدرة مستدامة على تهديد هذا الشريان، فإنهم لن يكونوا قد سيطروا على بضعة كيلومترات إضافية من الساحل اليمني فحسب، بل سيكونون قد وضعوا أيديهم على مفتاح يستطيع، عند استخدامه، إرباك طريق تجاري يمتد من موانئ آسيا إلى قلب أوروبا، وتحويل باب المندب من بوابة للملاحة الدولية إلى واحدة من أخطر أوراق الابتزاز الجيوسياسي في الشرق الأوسط.