لقاء إردوغان وياواش يحرّك أنقرة..
مشروعات العاصمة أم إشارات سياسية أبعد؟

لقاء إردوغان وياواش يحرّك أنقرة..
مشروعات العاصمة أم إشارات سياسية أبعد؟

اسطنبول – سدن

لم يكن لقاء الرئيس التركي رجب طيب إردوغان برئيس بلدية أنقرة الكبرى منصور ياواش يحتاج إلى إعلان سياسي حتى يتحول إلى حدث سياسي، فالاجتماع الذي عقد في المجمع الرئاسي في بش تبه، الأربعاء، قدم رسمياً باعتباره لقاء مخصصاً لمشروعات العاصمة التركية، لكن توقيته، وموقع ياواش داخل المعارضة، والتوترات التي تشهدها الأخيرة، كانت كافية لفتح باب واسع من التأويلات في الصحافة والأوساط السياسية التركية.

وبينما ذهبت بعض التعليقات اليوم، إلى حد الحديث عن احتمال اقتراب ياواش من حزب العدالة والتنمية الحاكم، أصر رئيس بلدية أنقرة على أن الاجتماع لم يتناول السياسة أصلاً، مؤكداً أن طلب اللقاء جاء منه لمناقشة ملفات تحتاج إلى تعاون أو موافقات من الحكومة المركزية.

ماذا جرى في بش تبه؟

استقبل إردوغان ياواش في المجمع الرئاسي في اجتماع مغلق أمام الصحافة، وأعلنت الرئاسة التركية انعقاد اللقاء من دون تقديم تفاصيل موسعة عن مضمونه، فيما تولى ياواش لاحقاً شرح الملفات التي قال إنها كانت على الطاولة.

وبحسب روايته، تناول الاجتماع استثمارات النقل ومشروعات مترو أنقرة، إلى جانب مشروعات قائمة وأخرى مخطط لها، وإجراءات تتعلق بالقروض والموافقات الحكومية، فضلاً عن مشروع مركز معارض كبير وعدد من الملفات المرتبطة بمستقبل العاصمة.

كما شكر ياواش إردوغان على دعم عدد من الاستثمارات وعلى موقفه من استضافة أنقرة لقمة حلف شمال الأطلسي (الناتو).

وتتضارب هذه الرواية مع ما نشرته غالبية وسائل الإعلام التركية بشأن المضمون المعلن للاجتماع، بما فيها وسائل محسوبة على الحكومة وأخرى معارضة لها.

لماذا أصبح اللقاء سياسياً؟

المشكلة لم تكن في جدول الأعمال المعلن بقدر ما كانت في التوقيت، فياواش ليس رئيس بلدية عادياً في الحسابات السياسية التركية، فهو يدير العاصمة، ويتمتع بقاعدة انتخابية واسعة، ويطرح اسمه باستمرار ضمن الشخصيات القادرة على المنافسة في أي سباق رئاسي مقبل، وجاء اجتماعه بإردوغان في وقت تشهد فيه المعارضة التركية إعادة ترتيب معقدة، خصوصاً بعد الانقسام بين حزب الشعب الجمهوري بقيادة كمال كليتشدار أوغلو والحزب الجديد بقيادة أوزغور أوزيل.

كما تزامن اللقاء مع الذكرى الـ103 لتأسيس الشعب الجمهوري، في وقت غاب فيه ياواش عن بعض فعاليات المناسبة، وهو ما أضاف عنصراً آخر إلى التكهنات المتعلقة بموقعه السياسي، ولهذا تعامل جزء من الإعلام التركي مع صورة ياواش في القصر الرئاسي باعتبارها أكثر من مجرد اجتماع بين رئيس الجمهورية ورئيس بلدية العاصمة.

روايتان في الإعلام التركي

عكست التغطية التركية الانقسام المعتاد في قراءة الأحداث السياسية، فصحف ومنصات معارضة، بينها (سوزجو) و(جمهورييت) و(هالك تي في)، ركزت بصورة أساسية على رواية ياواش وأوزيل بشأن طبيعة الاجتماع، وعلى أن اللقاء كان معروفاً مسبقاً وأن ملفات بلدية أنقرة شكلت جوهره.

في المقابل، أبرزت وسائل إعلام أخرى الجدل الذي أثاره اللقاء داخل الأوساط السياسية، وذهبت بعض البرامج والتقارير إلى تداول ادعاءات عن احتمال انتقال ياواش إلى حزب العدالة والتنمية، ووصل الأمر في بعض التغطيات إلى الاستناد إلى معلومات منسوبة إلى مصادر سياسية مجهلة للحديث عن سيناريو مغادرته الشعب الجمهوري.

لكن هذه الادعاءات بقيت في إطار التكهنات الإعلامية والسياسية، ولم يصدر عن ياواش أو إردوغان أو قيادة العدالة والتنمية ما يؤكد وجود تفاوض بشأن انتقال حزبي.

ياواش يرد: أنقرة أولاً

اتساع التكهنات دفع ياواش إلى إصدار توضيح أكثر تفصيلاً، فقد أكد أن وظيفته بوصفه رئيساً لبلدية يقطنها نحو ستة ملايين شخص ليست ملاحقة الشائعات اليومية، بل معالجة مشكلات المدينة وتنفيذ استثماراتها.

وأوضح أنه إذا كان حل مشكلة تخص أنقرة أو إنجاز مشروع يحتاج إلى لقاء رئيس الجمهورية، فسيفعل ذلك متى اقتضت الحاجة.

وكانت رسالته السياسية الأوضح رفض تفسير الاجتماع باعتباره مقدمة لتغيير موقعه الحزبي، مؤكداً أنه لا يعتزم اتخاذ خطوة من شأنها الإساءة إلى الأشخاص الذين دعموا مسيرته السياسية أو خذلان ثقتهم به.

أوزيل: كنت أعلم باللقاء

وسارع أوزغور أوزيل بدوره إلى قطع الطريق أمام تفسير الاجتماع باعتباره تحركاً سرياً، وقال إن ياواش أخبره مسبقاً بأنه يريد طلب موعد مع إردوغان لمناقشة استثمارات ومشروعات تخص أنقرة، مؤكداً أن الاجتماع جرى بعلمه.

وشدد أوزيل على ثقته بياواش، واصفاً علاقتهما بأنها تقوم على "الصداقة والأخوة"، ومؤكداً أن اللقاء تم من أجل مصالح العاصمة.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة لأن جزءاً من الجدل لم يتعلق بعلاقة ياواش بإردوغان فقط، وإنما بموقعه بين أوزيل وكليتشدار أوغلو.

فياواش يحاول منذ تفجر الأزمة داخل المعارضة التركية، المحافظة على مساحة خاصة به، وعدم الانخراط الكامل في المواجهة بين المعسكرين، وشرح موقفه بالقول إن رؤساء البلديات يعملون في ظروف اقتصادية صعبة ويحتاجون في ملفات عديدة إلى التعامل مع الحكومة المركزية، وإن انتقال الخلافات السياسية إلى المجالس البلدية قد يجعل تقديم الخدمات أكثر صعوبة.

ويرى ياواش أن سياسة التوازن التي اتبعها في أنقرة حققت نتائج عملية، ولذلك لا يرى سبباً لتغييرها في المرحلة الحالية، كما أقر بوجود غضب داخل قواعد القوى السياسية المتنافسة، لكنه اعتبر أن المطلوب ليس فتح جبهات إضافية وإنما المحافظة على إمكانية الحوار.

لقاء بلدي بثقل رئاسي

حتى الآن، لا تتوافر معطيات علنية كافية لتحويل التكهنات بشأن انتقال منصور ياواش إلى حزب العدالة والتنمية إلى معلومة سياسية ثابتة، لكن المؤكد أن ياواش طلب اللقاء، وأن ملفات أنقرة كانت على جدول أعماله، وأن أوزيل كان على علم مسبق به، وأن رئيس البلدية نفى بصورة واضحة وجود خطوة لتغيير انتمائه السياسي.

إلا ان الجدل الذي أعقب الاجتماع يكشف حقيقة سياسية أوسع، ان في كل حركة يقوم بها منصور ياواش باتت تقرأ في تركيا من زاوية الانتخابات الرئاسية المقبلة، ولهذا استطاع اجتماع خصص للمترو والقروض والاستثمارات البلدية أن يتصدر النقاش السياسي في أنقرة، ليس لأن شيئاً ثبت أنه جرى خلف الأبواب المغلقة، بل لأن الرجل الذي دخل بش تبه بصفته رئيساً لبلدية العاصمة هو نفسه أحد الأسماء التي يراقبها الأتراك بوصفها رقماً محتملاً في المعادلة الرئاسية المقبلة.