مداد

ماتت زهراء

13 سبتمبر 2026
ماتت زهراء

غريب أمر تلك الصداقات الأولى القديمة.. نظن أننا تجاوزناها، ثم نكتشف أننا وضعناها فقط في غرفة بعيدة من القلب، أغلقنا بابها ومضينا نعيش.. نكبر.. نتغير.. نتعرف إلى أشخاص آخرين، تتبدل المدن والوجوه والأفكار، لكن الغرفة تبقى هناك.. وفيها ضحكة سخيفة لا يفهمها أحد، وموقف محرج، وطريق مشيناه، وكلمة قلناها خطأ، وأشخاص عرفونا قبل أن تغيرنا الدنيا.

وذلك هو الوجع..

ليس لأننا نريد استعادة الماضي، فالماضي لا يستعاد، لكننا نريد أن يبقى الذين عاشوه معنا أحياء.. نريدهم في مكان ما من هذا العالم، حتى وإن فرقتنا الحياة، وحتى وإن صار لكل منا طريقه وحكايته، يكفينا أن نعرف أنهم موجودون تحت السماء نفسها، يحملون النسخة الأخرى من الذكرى..

حتى يأتي الموت، بهذه الوقاحة كلها، ويقول: انتهى.

اليوم رحلت زهراء..

الركن الأساس في (شلتنا) القديمة، وعامود أيامنا التي كنا نضحك فيها بطيش ومراهقة وبراءة، كنا نختلف على أشياء لا تستحق، ونصنع من التفاصيل الصغيرة في كانتين جامعة كنجستن أحداثاً كبرى، ثم نتصالح قبل أن نتذكر لماذا اختلفنا، حتى كبرنا جميعاً، وأخذ كل واحد منا طريقاً، وانشغلنا بكل تلك الأشياء التي يسمونها الحياة، وبدأت المسافات تكبر..

لكن بعض الوجوه لا تصبح قديمة، بل تبقى مرتبطة بعمر معين، بطاولة اجتمعنا حولها، بنكتة لا تزال مضحكة بعد كل هذه السنين، بموقف محرج، بصورة جماعية، وبضحكة إذا استعدتها عاد معها المكان كله.

اليوم، حين جاء الخبر الأليم، لم أتذكر السنوات الأخيرة، بل قفزت الذاكرة فوقها كلها، وعادت مباشرة إلى البداية..

إلى الشلة القديمة، إلى سعد وعبد العزيز وجعفر ودريا وبسام ومحمد وميمو واوسكار ومروان وآخرين وأخريات.. إلى وجوهنا قبل أن ترهقها الحياة، إلى القصص التي لا تصلح للنشر، والضحك الذي كان يبدأ من لا شيء، والأيام التي كنا نهدرها بسخاء لأن أحداً لم يخبرنا أن الأيام ليست كثيرة كما نظن، وأننا لن نظل جميعاً موجودين إلى الأبد..

وهذا ربما أكثر ما يوجع في موت أصدقاء المراهقة وأيام الشباب الأولى.. فنحن لا نفقد شخصاً فقط، بل نفقد شاهداً.

شاهداً كان موجوداً عندما كنا نسخة أخرى من أنفسنا، يعرف أسماءً نسيها الجميع، ويتذكر مواقف لو حكيناها اليوم لما صدقها أحد.

فكل واحد من أصدقاء البدايات يحمل قطعة من أرشيفنا السري، وحين يرحل أحدهم، تغلق خزانة كاملة إلى الأبد.

ماتت زهراء اليوم..

أما حمادة وسعد وعزوز وبسام فقد عادوا.. جلسوا في قلبي.. وبكوا.

شارك المقال f 𝕏 in