واشنطن – سدن
أعاد الرد الإيراني على المقترح الأمريكي لإنهاء الحرب الأزمة إلى مربعها الأول، بعدما رفض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سريعاً الورقة التي قدمتها طهران، واصفاً إياها بأنها «غير مقبولة على الإطلاق»، في إشارة تعكس اتساع الفجوة بين الطرفين، رغم الضغوط الدولية المتزايدة لوقف التصعيد في الخليج ومضيق هرمز.
ورغم أن ترامب لم يكشف علناً تفاصيل البنود التي رفضتها واشنطن، إلا أن مضمون الرد الإيراني أظهر أن طهران حاولت إدراج مجموعة شروط سياسية وأمنية واقتصادية واسعة، تتجاوز فكرة وقف إطلاق النار، نحو إعادة صياغة شاملة لشروط الاشتباك الإقليمي مع الولايات المتحدة.
وبحسب المعطيات المتداولة، فإن أحد أكثر البنود حساسية تمثل بإصرار إيران على تثبيت ما تصفه بـ«السيادة الإيرانية على مضيق هرمز»، وهو ما تعتبره واشنطن مساساً مباشراً بحرية الملاحة الدولية في أحد أهم الممرات الاستراتيجية للطاقة في العالم، والذي تمر عبره نحو خمس إمدادات النفط العالمية.
وترفض الإدارة الأمريكية أي صيغة تمنح طهران قدرة سياسية أو أمنية على التحكم بحركة الملاحة في المضيق، خصوصاً في ظل اتهامات غربية لإيران باستخدام ورقة الإغلاق والتهديد البحري كوسيلة ضغط تفاوضية خلال الحرب.
كما طالبت طهران بإنهاء ما وصفته بـ«الحصار البحري» المفروض عليها، وهو مطلب تعتبره واشنطن شديد الحساسية، لأن الضغوط البحرية والعقوبات المرتبطة بحركة النفط تمثل اليوم إحدى أهم أدوات الضغط الأمريكية على إيران، خصوصاً مع استمرار تعطل الملاحة في مضيق هرمز، وتراجع أعداد الناقلات العابرة بصورة كبيرة خلال الأيام الأخيرة.
وفي الملف النووي، أظهرت الورقة الإيرانية تمسكاً واضحاً بعدم تقديم أي تنازلات جوهرية قبل الاستجابة لمطالبها الأساسية، في وقت تدفع فيه واشنطن وتل أبيب نحو مفاوضات لاحقة تتناول مستقبل البرنامج النووي الإيراني، ومصير مخزون اليورانيوم المخصب، إضافة إلى تفكيك بعض منشآت التخصيب.
وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد قال في وقت سابق إن الحرب «لم تنته بعد»، مشيراً إلى أن هناك «عملاً إضافياً» يتعلق بإزالة اليورانيوم المخصب من إيران، وهو ما يكشف حجم التعقيد المحيط بأي تسوية محتملة.
وفي الجانب الاقتصادي، تضمنت الورقة الإيرانية مطالب واضحة برفع العقوبات الأمريكية، وإنهاء الحظر المفروض على صادرات النفط الإيراني، وهي مطالب ترى فيها واشنطن محاولة للحصول على مكاسب استراتيجية واقتصادية كبرى قبل الوصول إلى اتفاق شامل يتناول الملفات النووية والصاروخية والإقليمية.
وتدرك طهران أن أزمة الطاقة العالمية وارتفاع أسعار النفط يمنحانها هامش ضغط إضافياً، خصوصاً مع استمرار التوتر في مضيق هرمز، بينما تخشى الولايات المتحدة أن يؤدي تخفيف العقوبات أو إعادة النفط الإيراني للأسواق بشكل مبكر إلى إضعاف فعالية أدوات الضغط الاقتصادية التي بنتها طوال سنوات.
كما أثار البند المتعلق بـ«التعويض عن أضرار الحرب» جدلاً واسعاً داخل الأوساط الغربية، إذ تعتبره واشنطن ودول خليجية مطلباً سياسياً معقداً، في ظل اتهامات متبادلة حول مسؤولية التصعيد والأضرار التي لحقت بالمنطقة خلال الأشهر الماضية.
ومن بين البنود التي أثارت تحفظاً أمريكياً أيضاً، مطالبة إيران بضمانات تمنع أي هجمات مستقبلية عليها، وهو ما تراه واشنطن محاولة لتقييد خياراتها العسكرية وخيارات حلفائها مسبقاً، قبل حسم الملفات الأساسية المرتبطة بالصواريخ والبرنامج النووي والنفوذ الإقليمي الإيراني.
وتكشف طبيعة الرد الإيراني أن طهران حاولت نقل المقترح الأمريكي من صيغة «وقف القتال أولاً» إلى صيغة «تسوية شاملة أولاً»، وهو ما تعتبره واشنطن محاولة لإعادة صياغة ميزان التفاوض بالكامل تحت ضغط الحرب والطاقة والملاحة الدولية.
ولهذا، عاد المقترح الإيراني سريعاً إلى طهران مرفوضاً، لتبقى الأزمة مفتوحة على مزيد من التعقيد، وسط غياب أي مؤشرات حقيقية حتى الآن على اقتراب الطرفين من صيغة تسوية قابلة للنجاح.