لندن - سدن
لا يمكن قراءة وتحليل شخصية توم باراك، بوصفها مجرد سيرة دبلوماسي تقليدي، بل هو نموذج لرجل ينتمي إلى نمط نادر في السياسة الأميركية، فهو رجل أعمال تحول إلى صانع توازنات جيوسياسية بميزان السوق.
أنه ليس ابن المؤسسة البيروقراطية، بل ابن التجربة الناجحة، فقد بدأ حياته في عالم المال والعقارات، وراكم شبكة علاقات عالمية تمتد من الخليج إلى وول ستريت، قبل أن يصبح أحد أقرب المقربين من دونالد ترامب، لتتأسس ثقة عميقة بين الشخصين، تجلت حين ترأس اللجنة المنظمة لتنصيب ترامب رئيساً في الدورة الاولى عام 2017.
لكن ما يميز باراك ليس قربه من ترامب فحسب، بل طبيعة هذا القرب: إنه ليس مجرد منفذ للسياسات، بل شريك في صياغة الرؤية.
برز باراك في إدارة ترامب، كجزء من الدائرة الخاصة التي تعتمد على الولاء والكفاءة العملية أكثر من المسارات المهنية الكلاسيكية، فحين عين سفيراً للولايات المتحدة في تركيا عام 2025، ثم مبعوثاً خاصاً إلى سوريا، كانت إشارة واشنطن الى انها اختارت رجلاً يفهم المنطقة بلغتها غير المكتوبة، حيث المصالح، والتوازنات، والصفقات، فقد جمع بين موقعين شديدي الحساسية، مما منحه قدرة نادرة على الربط بين أنقرة ودمشق والقرار الأميركي والواقع الإقليمي.
في الميدان، لم يتصرف باراك كدبلوماسي تقليدي يكتفي بالتصريحات، بل كوسيط فعلي في صناعة الأحداث. فقد لعب دوراً في جهود وقف إطلاق النار بين الحكومة السورية وحركة قسد عام 2025، وفتح قنوات حوار بينها، وهذا النمط من الدبلوماسية.. (دبلوماسية إدارة الأزمات عبر الصفقات)، هو ما ينسجم مع فلسفة ترامب في الحكم.
في لقاءاته وتصريحاته، دائماً ما يشدد على أن الاستقرار في الشرق الأوسط لا يمكن أن يبنى عبر قوالب جاهزة، بل عبر تمكين القوى الإقليمية نفسها، وعلى رأسها تركيا، من لعب دور محوري في إعادة التوازن، وهذه الرؤية تعكس فهماً عميقاً لتحولات النظام الدولي، حيث لم تعد واشنطن قادرة ولا راغبة في إدارة كل شيء بنفسها.
فلسفياً.. يمكن القول إن باراك يمثل امتداداً لمدرسة (الواقعية السياسية) في أبهى صورها الحديثة، حيث الشرعية تبنى على القدرة، والسياسة تدار عبر النفوذ، والدبلوماسية تتحول إلى فن إدارة المصالح لا ترويج القيم.. وهو في هذا السياق، ليس استثناءً، بل تعبير عن لحظة أميركية أوسع، أعادت تعريف أدوات القوة في منطقة مضطربة.
إن قراءة مسيرة توم باراك بهذا المنظور تكشف أنه ليس مجرد سفير، بل (رجل مرحلة).. مرحلة تتراجع فيها الشعارات الكبرى، وتتقدم فيها الحسابات الدقيقة.
أنه رجل يفهم أن الشرق الأوسط لا يدار بالنوايا، بل بالقدرة على الإمساك بخيوطه المتشابكة، وهذا في حد ذاته، جعله أحد أكثر وجوه السياسة الأميركية إثارة للاهتمام في العامين الأخيرين.