واشنطن – سدن
في واحدة من أكثر التصريحات العراقية الحديثة وضوحاً وصراحة تجاه النفوذ الإيراني منذ سنوات، قال السياسي العراقي ووزير الخارجية الأسبق هوشيار زيباري، إن العلاقة بين بغداد وطهران تجاوزت منذ فترة طويلة حدود الدين والسياسة، لتصل إلى مستويات أعمق من التأثير داخل بنية الدولة العراقية نفسها، بما يشمل تشكيل الحكومات والبرلمان والتأثير في ملفات النفط والطاقة والاقتصاد.
وجاءت تصريحات زيباري خلال مشاركته في منتدى نظمه المجلس الأطلسي في واشنطن، بحضور شخصيات أميركية وعراقية من دبلوماسيين وقادة عسكريين ورجال أعمال واعلاميين وخبراء مختصين بالعلاقات العراقية ـ الأميركية، وسط اهتمام أميركي متزايد بمستقبل النفوذ الإيراني داخل العراق بعد الحرب الأخيرة في المنطقة.
وقال زيباري إن العلاقة مع إيران "حتمية بحكم الجغرافيا والتاريخ"، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة أن تتعامل طهران مع العراق بوصفه (دولة ذات سيادة)، عبر المؤسسات الرسمية، وليس عبر ما وصفها بـ"النوافذ والأبواب الخلفية".
وأضاف أن النفوذ الإيراني داخل العراق لم يعد يقتصر على البعدين الديني والسياسي، بل توسع بعد عام 2003 ليشمل التأثير المباشر في تشكيل الحكومات وتركيبة البرلمان، فضلاً عن النفوذ الاقتصادي والطاقة وقطاع النفط.
وأشار إلى أن الرسالة العراقية الأساسية تجاه طهران يجب أن تكون واضحة: "احترموا جيرانكم وأصدقاءكم.. نحن لسنا أعداءكم، لكننا نريد بناء عراق جديد ذي سيادة".
وتأتي هذه التصريحات في وقت تشهد فيه بغداد واحدة من أكثر مراحل تشكيل الحكومات تعقيداً، وسط تصاعد الحديث داخل الأوساط الأميركية عن ضرورة تقليص نفوذ الفصائل المسلحة والقوى المرتبطة بإيران داخل مؤسسات الدولة العراقية.
كما شهد المنتدى، نقاشات غير معلنة ورسائل متبادلة بين شخصيات قريبة من الإطار التنسيقي الشيعي ودوائر أميركية نافذة، في محاولة لاستكشاف شكل العلاقة المقبلة بين واشنطن والحكومة العراقية الجديدة.
وفي ختام حديثه، طرح زيباري سؤالاً بدا أقرب إلى توصيف للمأزق العراقي الحالي: "كيف يمكن بناء عراق ذي سيادة في ظل هذه التعقيدات"؟.
مراقبون وصفوا حديث زيباري في واشنطن، وفي هذا التوقيت الإقليمي الحساس، بأنه رسالة لم تكن موجهة فقط إلى الإيرانيين، بل أيضاً إلى الأميركيين الذين يعيدون اليوم تقييم شكل العراق الذي نشأ بعد 2003.
فزيباري، وهو السياسي العتيق والمطلع على دهاليز السياسية العراقية والإقليمية، لم يكن يتحدث عن نفوذ إيراني بوصفه مشكلة عراقية داخلية فقط، بل كان يلمح الى أن مرحلة (إدارة التعايش) مع النفوذ الإيراني انتهت، وأن المنطقة تدخل مرحلة يطلب فيها من بغداد أن تحسم موقعها بشكل أوضح، لا أن تبقى عالقة بين المشروعين الأميركي والإيراني.