لندن - سدن
تصاعدت حدة التوتر السياسي في ليبيا، بعدما وجّه الأمازيغ والتبو والطوارق اتهامات مباشرة إلى البعثة الأممية برعاية "مسار إقصائي" يهمش المكونات الثقافية والاجتماعية غير العربية، محذرين من أن استمرار هذا النهج قد يقود إلى نسف أي تسوية سياسية أو استحقاق انتخابي مقبل.
وجاء التصعيد على خلفية اجتماعات لجنة (4+4) المعروفة بـ(المجموعة المصغرة)، التي شكلتها الأمم المتحدة لمحاولة تجاوز الخلافات بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، ودفع العملية السياسية نحو صيغة تنهي حالة الانسداد المستمرة منذ سنوات.
لكن ما يعرف بـ(تنسيقية الشعوب الأصلية الليبية)، التي تمثل الأمازيغ والطوارق والتبو، اعتبرت أن تشكيل اللجنة جاء بطريقة تعكس هيمنة مكون واحد، وتكرس سياسة التهميش والإقصاء بحق بقية المكونات الليبية.
وفي مذكرة وجهت إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، عبرت التنسيقية عن قلقها ورفضها لما وصفته بـ"المسار الإقصائي الخطير"، معتبرة أن اللجنة تناقش قضايا مصيرية تتعلق بمستقبل ليبيا دون تمثيل حقيقي للشعوب الأصلية.
وترى هذه المكونات أن إعادة صياغة القوانين الانتخابية والدستورية، وتحديد شروط الترشح للرئاسة، وصياغة النصوص المتعلقة بالهوية الثقافية، تدار حالياً داخل دوائر مغلقة تخدم قوى سياسية محددة، بعيداً عن مبدأ الشراكة الوطنية الشاملة.
كما اتهمت التنسيقية البعثة الأممية بالانحياز لرعاية ترتيبات محاصصة سياسية، بدلاً من حماية مبادئ العدالة والتوازن والشمولية، مؤكدة أنها فقدت الثقة في حياد الأمم المتحدة ودورها في إدارة العملية السياسية.
وقالت التنسيقية إن "استمرار إقصاء الشعوب الأصلية من الترتيبات المصيرية يمنح غطاءً سياسياً لطرف واحد، ويقوض أسس التوافق الوطني، ويهدد مستقبل الاستقرار السياسي والاجتماعي في البلاد".
وفي خطوة تصعيدية، طالبت المكونات الثلاثة بالوقف الفوري لجميع التفاهمات والمخرجات الصادرة عن لجنة (4+4)، خصوصاً ما يتعلق بإعادة تشكيل المفوضية الوطنية العليا للانتخابات أو تعديل القوانين المنظمة للعملية الانتخابية، ملوّحة بمقاطعة أي انتخابات تُجرى وفق هذه الصيغة.
كما شددت على ضرورة إعادة هيكلة المسار السياسي بشكل يضمن تمثيلاً مباشراً ومستقلاً للأمازيغ والتبو والطوارق، بوصفهم شركاء أصيلين في صياغة مستقبل ليبيا، محذرة من أن أي قانون أو اتفاق أو تشكيل للمفوضية ينتج عن “سياسة الهيمنة والإقصاء” لن يحظى بأي شرعية أو قبول لديها.
ويأتي هذا التصعيد في وقت تحاول فيه البعثة الأممية الحفاظ على ما تصفه بـ"الزخم الإيجابي" للاجتماعات السياسية، بعدما عقدت لجنة (4+4) اجتماعها الثاني في تونس خلال مايو الحالي، لبحث الأطر الدستورية والقانونية للانتخابات العامة.
غير أن مراقبين يرون أن الأزمة الليبية لم تعد مجرد خلاف بين مؤسسات سياسية متنافسة، بل باتت أزمة هوية وتمثيل وشعور متزايد لدى مكونات اجتماعية كاملة بأنها مستبعدة من هندسة مستقبل البلاد.
ويعتقد محللون أن تجاهل مطالب الأمازيغ والتبو والطوارق قد يفتح باباً جديداً من الانقسامات داخل ليبيا، خصوصاً في ظل هشاشة التوافقات الحالية، وتآكل الثقة بين الأطراف المحلية والبعثة الأممية.
وفي مؤشر على محاولة احتواء التوتر، كان رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي قد استقبل، في وقت سابق، اللجنة الاستشارية للمجلس الأعلى لأمازيغ ليبيا، حيث جرى التأكيد على أهمية حماية التنوع الوطني وضمان مشاركة جميع المكونات في صياغة مستقبل البلاد دون تهميش أو إقصاء.