تكريت – سدن
في مشهد يعيد إلى الأذهان سلطات (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) في أكثر البيئات تطرفاً وانغلاقاً، أعلنت شرطة صلاح الدين تنفيذ حملة لملاحقة الشباب بسبب ارتدائهم (الشورت)، تحت عنوان حماية "الذوق العام"، في وقت تغرق فيه المحافظة بأزمات الفساد الإداري، والمخدرات، والسلاح المنفلت، والبطالة، والانهيار الخدمي.
وبحسب بيان الشرطة، فإن الحملة لم تقتصر على ملاحقة متهمين بقضايا تحرش، بل امتدت إلى اعتقال شبان بسبب نوع الملابس التي يرتدونها داخل الأسواق والمتنزهات والأماكن العامة، في سابقة تعكس انحداراً خطيراً في مفهوم الدولة، وتحويل الأجهزة الأمنية من مؤسسات يفترض أن تطارد القتلة والفاسدين والعصابات، إلى دوريات تراقب سيقان الشباب وأطوال السراويل.
الأخطر من ذلك، أن السلطات الأمنية تحدثت بثقة عن استمرار هذه الحملات خلال الأيام المقبلة، وكأن المحافظة تواجه تهديداً وجودياً اسمه “البرمودا”، لا شبكات الفساد، ولا تجارة المخدرات، ولا عصابات الابتزاز، ولا الانفلات العشائري والسلاح غير الشرعي.
ما يحدث في صلاح الدين لا يشبه سلوك دولة تحترم القانون والحريات الشخصية، بل يقترب أكثر فأكثر من نماذج (طالبان) و(قندهار)، حيث تتحول الشرطة إلى وصي اجتماعي يفرض أنماط اللباس والسلوك بالقوة، ويقيس الأخلاق بالعصا والاعتقال.
ثم من منح هذه الجهات أصلاً حق تعريف (اللباس اللائق)؟
ومن وضع (الشورت – البرمودا) في خانة الجرائم؟
وأي قانون عراقي يساوي بين متحرش حقيقي وشاب يرتدي ملابس صيفية في حر العراق اللاهب؟
إن تحويل مؤسسات الدولة إلى أدوات لمطاردة المظاهر الشخصية ليس دفاعاً عن القيم، بل هروب رخيص من مواجهة الكوارث الحقيقية التي يعيشها المواطن، فالدولة العاجزة عن حماية الناس من الفقر والجريمة، تجد دائماً أسهل معاركها في مطاردة المراهقين والشباب داخل الحدائق والأسواق.
صلاح الدين، التي كانت يوماً عنواناً للتحضر والتمدن، يجري دفعها اليوم بعقلية متحجرة ومهووسة بالوصاية نحو نسخة مشوهة من (قندهار) جديدة، لا تقاس فيها هيبة الدولة بعدالة القانون، بل بعدد المعتقلين بسبب (الشورت).