بيروت - سدن
عادت قلعة الشقيف، إحدى أشهر القلاع التاريخية في لبنان، إلى واجهة الأحداث مجدداً بعد إعلان الجيش الإسرائيلي بسط سيطرته عليها للمرة الأولى منذ انسحابه من جنوب لبنان عام 2000، في تطور يؤشر على الأهمية العسكرية والاستراتيجية التي احتفظ بها هذا الموقع عبر قرون طويلة من الصراعات والحروب.
وتقع القلعة، المعروفة أيضاً باسم (بوفور) أو (الحصن الجميل)، على مرتفع صخري شاهق شرق مدينة النبطية، مطلة على نهر الليطاني وسهل مرجعيون، وهو موقع يمنح من يسيطر عليها قدرة استثنائية على مراقبة مساحات واسعة من جنوب لبنان وصولاً إلى المناطق الحدودية مع فلسطين.
ويعود تاريخ القلعة بصورتها الحالية إلى عام 1137، حين شيدها الصليبيون خلال فترة مملكة القدس، قبل أن تتحول إلى واحدة من أهم القلاع الدفاعية في بلاد الشام، وتعاقبت عليها لاحقاً قوى عدة، من الأيوبيين بقيادة صلاح الدين الأيوبي إلى المماليك ثم العثمانيين، الذين أضافوا إليها تحصينات ومنشآت دفاعية عززت من مكانتها العسكرية.
وتتميز القلعة بتصميم دفاعي معقد يضم أسواراً حجرية ضخمة وأبراج مراقبة وممرات وأنفاقاً محفورة داخل الصخور، ما جعل اقتحامها مهمة شديدة الصعوبة على مر العصور، وأسهم في بقائها صامدة رغم الحروب المتعاقبة والقصف الذي تعرضت له خلال العقود الماضية.
وفي العصر الحديث، اكتسبت قلعة الشقيف أهمية مضاعفة بسبب إشرافها المباشر على طرق الإمداد والمحاور الحيوية الممتدة بين شمال نهر الليطاني وجنوبه.
ويرى خبراء عسكريون أن السيطرة عليها توفر أفضلية استخبارية وميدانية كبيرة، إذ تسمح بمراقبة التحركات العسكرية واللوجستية في جزء واسع من جنوب لبنان.
ورغم قيمتها العسكرية، تعد القلعة من أبرز المعالم الأثرية في لبنان، إذ تحظى بحماية دولية باعتبارها موقعاً تراثياً يمثل نموذجاً فريداً لتداخل التأثيرات الصليبية والأيوبية والمملوكية والمحلية في العمارة العسكرية.
وشهدت القلعة أعمال ترميم واسعة بعد عام 2000 بهدف الحفاظ على طابعها التاريخي وتحويلها إلى معلم ثقافي وسياحي بارز، إلا أن التطورات العسكرية الأخيرة أعادتها مجدداً إلى دائرة الصراع، لتثبت أن الموقع الذي كان محوراً للمعارك قبل نحو تسعة قرون ما زال يحتفظ بالقيمة نفسها تقريباً في حسابات الجغرافيا والحرب حتى اليوم.