دمشق – كتب رئيس التحرير
انشغلت معظم القراءات السياسية في بغداد بما يمكن أن يعنيه قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعيين توم باراك السفير الأمريكي في تركيا، مبعوثاً رئاسياً خاصاً إلى العراق وسوريا، بالنسبة للعراق والعلاقات العراقية الأميركية، لكن في دمشق، يقرأ القرار بطريقة مختلفة تماماً.
فمن وجهة النظر السورية، وحسب ما سمعت من مسؤول سوري رفيع المستوى، لا يبدو الأمر مجرد دمج لملفي بلدين متجاورين تحت إشراف مسؤول واحد، بل يفهم باعتباره اعترافاً أميركياً ضمنياً بأن سوريا عادت لتصبح جزءاً أساسياً من معادلات المنطقة، وأن إدارة ملفات المشرق لم تعد ممكنة من دون دمشق.
ويضيف المسؤول، انه وخلال السنوات الماضية، تعاملت واشنطن مع سوريا بوصفها ملفاً أمنياً معقداً أو أزمة إقليمية تحتاج إلى الاحتواء، أما اليوم، وبعد التغييرات التي شهدتها المنطقة وعودة دمشق إلى حضورها العربي والإقليمي، فإن جمع العراق وسوريا في إطار سياسي واحد يوحي بأن الإدارة الأميركية بدأت تنظر إلى البلدين باعتبارهما فضاءً جغرافياً وأمنياً مترابطاً.
ويؤكد المسؤول، ان أهمية هذه القراءة تزداد إذا ما أخذنا في الاعتبار طبيعة التحديات المشتركة بين البلدين، فالحدود السورية العراقية لم تعد مجرد خط جغرافي يفصل دولتين، بل أصبحت عقدة ترتبط بأمن المنطقة كلها، فمن مكافحة تنظيم داعش، إلى حركة التجارة والطاقة، مروراً بأمن الطرق البرية والمنافذ الحدودية، وصولاً إلى ملفات الاستقرار الاقتصادي وإعادة الإعمار.
ومن هذا المنطلق، ترى دمشق أن وجود مبعوث أميركي واحد يتابع الملفين معاً يعكس قناعة متزايدة داخل واشنطن بأن استقرار سوريا والعراق بات مسألة واحدة يصعب فصلها.
كما تنظر دمشق إلى ذلك على أنه إقرار أميركي بأن الملف السوري لم يعد منفصلاً عن الترتيبات الإقليمية الكبرى، وأن أي تصور لمستقبل المنطقة لا يمكن أن يتجاهل موقع سوريا الجغرافي والسياسي.
وحسب المسؤول السوري، فان الدلالة الأبرز تكمن في شخص المبعوث نفسه، فتوم باراك يشغل في الأصل منصب السفير الأميركي لدى تركيا، ما يعني أن الرجل سيتعامل في الوقت ذاته مع ملفات أنقرة ودمشق وبغداد، وهذا مؤشر على أن واشنطن بدأت تنظر إلى هذه العواصم الثلاث باعتبارها أجزاء من معادلة إقليمية واحدة، تحتاج إلى إدارة متكاملة لا إلى مقاربات منفصلة.
وحسب المعطيات السياسية المتوفرة لـ(سدن نيوز) فأن دمشق قد تكون المستفيد السياسي الأكبر من هذا القرار، لأن الرسالة التي تحملها الخطوة الأميركية تتجاوز حدود الترتيبات الدبلوماسية التقليدية، إذ تؤشر الخطوة اقتناعاً متزايداً بأن استقرار العراق يمر عبر سوريا، وأن مستقبل سوريا الاقتصادي والأمني يرتبط بصورة وثيقة بما يجري في العراق، ولهذا السبب، قد ينظر إلى تعيين باراك بوصفه بداية مقاربة أميركية جديدة للمشرق العربي، تقوم على الربط بين بغداد ودمشق اقتصادياً وأمنياً وسياسياً، وان تعيين توم باراك مبعوثاً إلى العراق وسوريا يعكس قناعة أميركية جديدة مفادها أن الحدود التي رسمتها اتفاقية سايكس بيكو (كما أشار اليها توم باراك نفسه في مناسبات سابقة) ما زالت موجودة على الخرائط، لكنها لم تعد موجودة فعلياً في التحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجه المنطقة، فداعش وشبكات التهريب لا تعترفا بالحدود، والنفوذ الإيراني لا يتحرك داخل دولة واحدة، والطاقة وخطوط النقل والتجارة البرية بين الخليج وتركيا وأوروبا لا تتوقف عند معبر حدودي واحد، لذلك قد تكون واشنطن قد توصلت إلى استنتاج بسيط، ان المشكلة واحدة.. فلماذا نديرها بملفين؟