عمان - سدن
في وقت تعيش فيه المنطقة واحدة من أكثر مراحلها حساسية واضطراباً، برزت زيارة رئيس مجلس النواب العراقي هيبت الحلبوسي إلى الأردن باعتبارها تذكيراً بمكانة المملكة ودورها المحوري عربياً وإقليمياً ودولياً، وبالعلاقة الخاصة التي تربط بغداد بعمان، ليس فقط على المستوى السياسي، بل باعتبار الأردن أحد أهم المنافذ الاقتصادية والتنموية للعراق وشريكاً يحظى بثقة وقبول واسع لدى مختلف العواصم العربية والغربية.
واستقبل العاهل الأردني الملك عبدﷲ الثاني، الحلبوسي في قصر الحسينية، مؤكداً أهمية تعزيز العلاقات المتينة بين البلدين في مختلف المجالات بما يخدم مصالح الشعبين ويسهم في تعزيز استقرار المنطقة.
وخلال اللقاء، شدد الملك عبدﷲ الثاني على ضرورة تكثيف الجهود الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، وضمان أمن وسيادة الدول العربية، محذراً من استغلال التوترات الإقليمية لفرض وقائع جديدة في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة.
وينظر إلى الأردن على نطاق واسع باعتباره أحد أكثر الدول العربية قدرة على الحفاظ على قنوات التواصل مع مختلف الأطراف المتصارعة، مستنداً إلى شبكة علاقات متوازنة مع العالم العربي والولايات المتحدة وأوروبا والقوى الدولية الفاعلة، الأمر الذي جعله على مدى عقود لاعباً أساسياً في جهود التهدئة والوساطة وحماية الاستقرار الإقليمي.
كما استقبل رئيس الوزراء الأردني جعفر حسان الحلبوسي والوفد البرلماني المرافق له، حيث جرى التأكيد على عمق العلاقات التاريخية التي تجمع البلدين والشعبين، والحرص المشترك على تطويرها في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاستثمارية.
وأكد حسان أن الأردن ينظر إلى استقرار العراق باعتباره جزءاً لا يتجزأ من استقرار المملكة والمنطقة، مشدداً على استمرار دعم عمان لمسيرة التنمية والإعمار في العراق.
وشهدت المباحثات تأكيداً مشتركاً على أهمية المضي قدماً في المشاريع الاستراتيجية بين البلدين، لا سيما في مجالات الطاقة والكهرباء والتبادل التجاري والاستثماري، فضلاً عن تسهيل حركة التجارة ورجال الأعمال بين الجانبين.
وقبل ذلك، كان رئيس مجلس النواب الأردني مازن القاضي قد استقبل الحلبوسي في أول زيارة خارجية له منذ انتخابه رئيساً للبرلمان العراقي، مؤكداً أن المملكة تنظر إلى العراق بعين المحبة والتقدير، وأن العلاقات بين البلدين تمثل نموذجاً للأخوة الصادقة القائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
وأشار القاضي إلى أن العراق القوي والمستقر يشكل ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة، مؤكداً أهمية توسيع الشراكة الثنائية في قطاعات الاقتصاد والطاقة والاستثمار والنقل.
من جهته، أعاد الحلبوسي تسليط الضوء على أحد أهم المشاريع الاقتصادية الاستراتيجية بين البلدين، وهو مشروع أنبوب النفط الممتد من البصرة إلى ميناء العقبة، معتبراً أنه ما يزال يمثل خياراً استراتيجياً للعراق في ظل المتغيرات التي تشهدها المنطقة والضغوط التي تتعرض لها طرق تصدير النفط التقليدية.
وأكد الحلبوسي أن العراق يسعى إلى تنويع منافذ تصدير النفط وتعزيز أمنه الطاقوي، مشيراً إلى وجود إرادة سياسية واضحة لدفع مشاريع التعاون الاقتصادي مع الأردن، وفي مقدمتها مشروع الأنبوب الذي يمكن أن يفتح آفاقاً جديدة للشراكة الاقتصادية بين البلدين.
وكان العراق والأردن قد وقعا عام 2012 اتفاقاً إطارياً لإنشاء خط أنابيب بطول 1700 كيلومتر يمتد من حقول البصرة إلى ميناء العقبة على البحر الأحمر، وبطاقة تصل إلى مليون برميل يومياً، إلا أن المشروع ظل معلقاً رغم أهميته الاقتصادية والاستراتيجية الكبيرة.
ويكتسب المشروع اليوم أهمية أكبر من أي وقت مضى، مع سعي العراق إلى تنويع منافذ تصدير نفطه وتقليل الاعتماد على المسارات التقليدية التي تتأثر بالتوترات الأمنية والعسكرية في المنطقة.
كما يوفر المشروع للأردن مصدراً مستقراً للطاقة، فيما يمنح العراق منفذاً إضافياً إلى الأسواق العالمية عبر البحر الأحمر، الأمر الذي يجعله أحد أكثر مشاريع التكامل الاقتصادي العربي أهمية خلال السنوات المقبلة.
ويرى مراقبون أن ما يجمع بغداد وعمان يتجاوز المصالح الاقتصادية المباشرة، فالأردن يمثل بالنسبة للعراق شريكاً موثوقاً يتمتع بعلاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية والإقليمية، كما يشكل جسراً مهماً يربط العراق بالأسواق العالمية ومراكز القرار السياسي والاقتصادي في العالم.
ويؤكد المراقبون أن المكانة التي يحظى بها الأردن، والقبول الواسع الذي يتمتع به على المستويين العربي والدولي، يجعلان من تعميق الشراكة معه خياراً استراتيجياً للعراق، خاصة في مرحلة تتطلب تنويع الشراكات الاقتصادية وتعزيز الاستقرار الإقليمي وتوسيع فرص التكامل العربي.