بغداد - سدن
كشفت مصادر سياسية مطلعة لـ(سدن نيوز)، أن دوائر الرقابة والنزاهة تقترب من فتح أحد أضخم ملفات الفساد في تاريخ العراق الحديث، وسط معلومات عن إعداد قوائم تضم عشرات الشخصيات المتهمة بتكوين ثروات هائلة بطرق غير مشروعة خلال العقدين الماضيين.
وبحسب المصادر، فإن القائمة الأولية تضم ما لا يقل عن خمسين شخصية من أصحاب النفوذ السياسي والاقتصادي، بينهم مسؤولون حاليون وسابقون، ونواب ووزراء ورجال أعمال بارزون، إضافة إلى شخصيات تدير شبكات استثمارية وتجارية واسعة داخل العراق وخارجه.
وتؤكد المصادر أن التقديرات الأولية للأموال والأصول التي يجري تتبعها تتراوح بين 150 و350 مليار دولار، موزعة بين عقارات ومجمعات سكنية ومشاريع استثمارية وأراضٍ وشركات وممتلكات داخل العراق وخارجه، في أرقام وصفها مطلعون بأنها (الأكبر منذ سقوط النظام السابق).
قصور فارهة وأبراج ومولات.. من أين جاءت الثروات؟
وتقول المصادر إن التحقيقات لا تقتصر على الحسابات المصرفية والأموال النقدية، بل تمتد إلى عشرات الأبراج السكنية والمولات التجارية والمستشفيات الأهلية والمشاريع الخدمية والنفطية التي ظهرت خلال السنوات الماضية بأسماء رجال أعمال ومسؤولين أو مقربين منهم.
وبحسب المعلومات المتداولة، فإن بعض الأسماء التي يجري التدقيق بشأنها انتقلت خلال سنوات قليلة من مواقع وظيفية عادية إلى امتلاك إمبراطوريات مالية وعقارية تقدر بمئات ملايين الدولارات، الأمر الذي دفع الجهات الرقابية إلى إعادة فتح ملفات قديمة وأخرى حديثة تتعلق بمصادر الثروة وتضخم الأموال.
الحكومة تفتح الخزائن المغلقة
وتشير المصادر إلى أن المجلس الأعلى للنزاهة والرقابة، الذي تشكل مؤخراً، يعمل على إعداد ملفات متكاملة تمهيداً لاتخاذ إجراءات قضائية ومالية بحق المتورطين، وسط حديث عن حملة غير مسبوقة لاسترداد الأموال العامة وملاحقة الأصول المنقولة وغير المنقولة داخل العراق وخارجه.
وتضيف أن الجزء الأكبر من الأموال المشتبه بها تم تهريبه أو استثماره خارج البلاد عبر شبكات معقدة من الشركات والعقارات، فيما يجري حالياً التنسيق مع جهات دولية لتتبع هذه الأصول واستعادتها.
الفساد والسلاح.. ملفان على طاولة واحدة
وترى مصادر (سدن نيوز)، أن ملف الفساد لم يعد منفصلاً عن ملف السلاح والنفوذ الاقتصادي، إذ تتقاطع التحقيقات مع مساعي الحكومة لإعادة هيكلة المشهد الأمني وحصر السلاح بيد الدولة.
وتشير المصادر إلى أن بعض الشبكات المالية الكبرى نمت خلال سنوات الفوضى السياسية والأمنية، مستفيدة من غياب الرقابة وتداخل النفوذ الاقتصادي مع النفوذ المسلح، الأمر الذي يجعل معركة استرداد الأموال جزءاً من عملية أوسع لإعادة بناء سلطة الدولة ومؤسساتها.
البداية من الموانئ والنفط.. والقادم أكبر
وخلال الأسابيع الأخيرة ظهرت أولى المؤشرات على الحملة المرتقبة، بعد فتح ملفات مسؤولين كبار في قطاعات حيوية، أبرزها الموانئ والنفط.
ففي ملف الموانئ، تتحدث الجهات الرقابية عن أموال ضخمة وعقارات ومشاريع يجري التدقيق في مصادر تمويلها، فيما شهد ملف النفط توقيف مسؤولين كبار وضبط ملايين الدولارات وعشرات العقارات ومصوغات ذهبية وأسلحة وأصول أخرى.
كما برزت ملفات تتعلق باستغلال النفوذ والابتزاز وتحويل أموال مخصصة لمشاريع عامة إلى منافع خاصة، في قضايا بدأت بالفعل تأخذ طريقها إلى القضاء.
حوت جديد يطفو على السطح
وفي أحدث التطورات، كشف نائب في البرلمان عن وجود ما وصفه بـ(حوت نفطي جديد) داخل إحدى الشركات النفطية، متهماً جهات نافذة بالتستر على مخالفات مالية وإدارية جسيمة استمرت لسنوات دون محاسبة.
وتقول مصادر (سدن) إن هذا الملف قد يكون مجرد بداية لسلسلة ملفات أخرى يجري التحضير لكشفها تباعاً خلال الفترة المقبلة.
أرقام صادمة
وتعكس بيانات هيئة النزاهة حجم النشاط الرقابي المتصاعد خلال العام الماضي، إذ أصدرت أكثر من 14 ألف أمر استقدام، و3461 أمر قبض، و1950 أمر توقيف، فضلاً عن مئات قرارات منع السفر.
كما نفذت أكثر من 1500 عملية ضبط انتهت بإلقاء القبض على مئات المتهمين، وأحالت آلاف القضايا إلى القضاء، بينها ملفات تخص وزراء ومسؤولين كباراً ومديرين عامين.
وإذا صحت الأرقام المتداولة بشأن الأموال المنهوبة، فإن العراق لا يقف أمام ملفات فساد عادية، بل أمام ما يشبه اقتصاداً موازياً بني على مدى أكثر من عقدين من الزمن، فالقضية لم تعد تتعلق بموظف مرتش أو عقد مشبوه، بل بشبكات مالية وسياسية ضخمة راكمت ثروات هائلة بينما كانت الدولة تعاني العجز وسوء الخدمات وتراجع البنى التحتية.
والسؤال الذي يطرحه الشارع اليوم ليس عن حجم الأموال فقط، بل عما إذا كانت حملة الملاحقة ستصل فعلاً إلى (الرؤوس الكبيرة)، أم أنها ستتوقف عند حدود الحيتان الصغيرة وتترك كبار النافذين خارج دائرة الحساب.