أعلنت ألمانيا منذ أيام وضع نهاية لمشروع متعثر كلفته 100 مليار يورو لبناء طائرة مقاتلة من الجيل السادس بالتعاون مع فرنسا وإسبانيا. وجاءت طريقة إعلان برلين خلال إحاطة إعلامية دون أي تنسيق مسبق مع باريس لتقدم بعض الدلالات الواضحة.
لقد أصبح نظام القتال الجوي المستقبلي (FCAS) مرادفاً لمحرك فرنسي ألماني معطل وبلا هدف، وإشارة إلى عجز كبير عن دفع المشروع الأوروبي قدماً. وكان النظام أو على الأقل مكونه الخاص بالطائرة المقاتلة، على وشك الانهيار منذ أشهر.
فقد خاض الشريكان الصناعيان الرئيسيان، شركة داسو للطيران، مُصنِّعة طائرة رافال الفرنسية، وقسم الدفاع في شركة إيرباص، ومقره ألمانيا وإسبانيا، في خلاف حاد حول القيادة وملكية التكنولوجيا.
ولم تتمكن الحكومتان الفرنسية والألمانية، أو بالأحرى لم ترغبا، في التوصل إلى حلٍّ وسط. ويُمثل فشل مشروع نظام القتال الجوي المستقبلي انتكاسة خطيرة، للتعاون الدفاعي الأوروبي.
ونظام القتال الجوي المستقبلي مشروع ذو دوافع سياسية أطلقه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية آنذاك أنجيلا ميركل عام 2017، لكن لا ماكرون ولا خليفة ميركل، فريدريش ميرتس، استطاعا «فرض توجيه سياسي على المشهد الصناعي».
وقال فيليب مودري، في مقال له في صحيفة «لوبينيون»، بأن «الموقف السياسي الصعب لماكرون وميرتس هو ما يفسر الفشل الذريع. ولم يكن يتصور الوصول إلى مثل هذه الفوضى في عهد فرانسوا ميتران أو هيلموت كول؟».
وإلى جانب الموقف السياسي الصعب للزعيمين الفرنسي والألماني، فقد ظل كل منها متمسكاً بمفهوم وطني للسيادة الدفاعية، بدلاً من المفهوم الأوروبي. وتجعل قدرة شركة داسو على تصميم وتصنيع طائرات مقاتلة متطورة بشكل مستقل منها رصيداً استراتيجياً لفرنسا.
وتحمل طائرة رافال التي تصنعها الشركة مهمة الردع النووي الفرنسي، كما أنها حققت نجاحاً تقنياً وتجارياً. ولا ترغب داسو في مشاركة خبراتها ومعرفتها الفكرية مع منافستها الألمانية.
في المقابل، تفتقر الصناعة الألمانية إلى الخبرة والكفاءة اللازمتين لدعم قدرة جوية قتالية سيادية بمفردها، إذ لم يسبق لها أن طورت طائرة مقاتلة وطنية ومحركاً مرتبطاً بها خارج نطاق المبادرات متعددة الجنسيات منذ عام 1945.
لكن من الواضح أن برلين باتت عازمة الآن على امتلاك تلك القدرة السيادية. ويبرز عزم ألمانيا إنفاق 750 مليار يورو على إعادة بناء قواتها المسلحة حزماً عسكرياً لم تشهده البلاد منذ الحرب العالمية الثانية.
فيما يشكك المحللون العسكريون في قدرة الشركات الألمانية على بناء مقاتلة من الجيل السادس دون استغراق وقت طويل وشراء التكنولوجيا من الولايات المتحدة. وقد اشترت ألمانيا بالفعل طائرات إف35 الأمريكية، وهي أكثر تطوراً من طائرات رافال الأقل قدرة على التخفي، ما يعني أن برلين ليست في عجلة من أمرها لتحديث أسطولها.
وتكمن التساؤلات الأكبر حول قدرة فرنسا على العمل بمفردها، فالوضع المالي العام للبلاد مزرٍ، ولا يمكنها تجنب تخفيضات ضرورية واسعة النطاق في الإنفاق العام خلال السنوات المقبلة. وعلى الرغم من زيادة ميزانية الدفاع على مدى السنوات الأربع المقبلة.
فإن الإنفاق العسكري سيبلغ 2.5 % فقط من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2030. ولم تحدد فرنسا مساراً للوصول إلى نسبة 3.5 % بحلول عام 2035، وهو الهدف المعلن للناتو.
ونظراً للتهديد الروسي المتزايد من وجهة نظر الأوروبيين، فإن فرنسا لديها احتياجات ملحة لإعادة التسلح على المدى القريب، مثل الضربات بعيدة المدى والدفاعات الجوية، لكن كيف لها أن تتحمل بمفردها تكاليف تطوير وإنتاج طائرة مقاتلة من الجيل السادس أكثر تطوراً وتكلفة من طائرة رافال وتحتاج إلى مليارات اليوروهات؟
ووفقاً لأوليفييه شميت، الأستاذ في الكلية الملكية الدنماركية للدفاع، كانت فرنسا أكثر حرصاً من ألمانيا على مشروع مقاتلة مشترك بهدف خفض التكاليف، وبالتالي فهي ستخسر أكثر في حال فشله.
ويبدو أن رهان شركة داسو يكمن في أن مبيعات التصدير وسجل الطلبات الضخم، بما في ذلك نسخة جديدة من طائرة رافال، سيموّل مشروع مقاتلة من الجيل السادس. وقد تحاول التعاون بصورة أكبر مع الهند، أكبر زبائنها من رافال. وفي الوقت نفسه.
وكما يقول إيلي تيننباوم، رئيس مركز الدراسات الأمنية في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، من المرجح أن تواجه فرنسا منافسة متزايدة من قوى صناعية دفاعية صاعدة مثل كوريا الجنوبية وتركيا.
ويأتي انهيار مشروع الطائرة المقاتلة في أعقاب إخفاقات أخرى في التعاون مع برلين، بما في ذلك طائرات المراقبة البحرية، والمروحيات الهجومية، وطائرة الاستطلاع بدون طيار طويلة المدى.
والتي سحبت فرنسا تمويلها مؤخراً، لكن ينبغي على باريس وبرلين محاولة إنقاذ التعاون في العناصر الأخرى لمشروع نظام القتال الجوي المستقبلي الطائرات بدون طيار، وأجهزة الاستشعار، و«نظام التشغيل السحابي القتالي» الذي يربط كل شيء - والتي تعتبر العناصر التحويلية الحقيقية للمشروع.
كما ينبغي عليهما تكثيف العمل المشترك في البرامج ذات الأولوية، مثل صواريخ الضربات الدقيقة بعيدة المدى وأنظمة الإنذار المبكر، التي تعتمد أوروبا فيها بدرجة خطيرة على الولايات المتحدة، وهي ضرورية بشكل عاجل لمواجهة روسيا. وهناك أيضاً عرض فرنسا بنشر قدراتها النووية الرادعة في دول أوروبية أخرى، بما فيها ألمانيا.
وكما أوضح نيكو لانج، المسؤول السابق في وزارة الدفاع الألمانية، فإن برنامج التعاون الألماني- الفرنسي يجب ألا يقف بالضرورة على التعاون الدفاعي الأوروبي، لأن هناك مشاريع أخرى مثمرة، لا بد على باريس وبرلين القيام بالكثير من العمل الشاق لإنجاحها.