تفكيك

من جرف الصخر إلى صنعاء..
كيف تحول العراق إلى غرفة العمليات الخلفية للحوثيين؟

بغداد - سدن
29 يوليو 2026
من جرف الصخر إلى صنعاء..
كيف تحول العراق إلى غرفة العمليات الخلفية للحوثيين؟

بغداد - سدن

لم يعد الوجود الحوثي في العراق يقتصر على مكتب سياسي أو نشاط إعلامي محدود، بل تشير معطيات أمنية توفرت لدى (سدن) إلى أن الجماعة نجحت خلال السنوات الأخيرة، في بناء شبكة تنظيمية وعسكرية ولوجستية متكاملة داخل العراق، مستندة إلى دعم المليشيات الشيعية التابعة لإيران، في تطور يثير تساؤلات متزايدة بشأن حجم النفوذ الذي باتت تمارسه الجماعة خارج اليمن.

ويرى متابعون أن العلاقة بين الحوثيين والفصائل العراقية تجاوزت منذ وقت طويل حدود التضامن السياسي، لتتحول إلى شراكة ميدانية تشمل التدريب، وتبادل الخبرات العسكرية، وإدارة خطوط الإمداد، والتنسيق الاستخباراتي، ضمن المنظومة الإقليمية التي تديرها طهران عبر وكلائها في المنطقة.

جرف الصخر قاعدة خلفية

وبحسب مصادر أمنية عراقية، أعاد الحوثيون خلال الأعوام الماضية ترتيب انتشارهم داخل العراق، مبتعدين عن الواجهة العلنية في بغداد، ومتجهين نحو مناطق تخضع لنفوذ المليشيات الشيعية ، وفي مقدمتها مدينة جرف الصخر شمال غربي محافظة بابل، التي احتلتها كتائب حزب الله وهجرت سكانها العرب السنة.

وتؤكد المصادر أن المدينة تحولت إلى مركز رئيس لتحركات الجماعة، حيث توفر بيئة مغلقة وآمنة تسمح بإدارة الأنشطة اللوجستية والتدريبية بعيداً عن الأنظار، إضافة إلى ارتباطها بشبكات النقل والإمداد التي تستخدمها الفصائل المسلحة.

وتشير المعلومات إلى أن عناصر الجماعة يتحركون تحت حماية مليشيات شيعية نافذة، مع الاستفادة من مقرات مشتركة، ووسائل نقل، وشبكات اتصال وإسناد ميداني، الأمر الذي يمنحهم قدرة أكبر على التنقل وإدارة عملياتهم داخل العراق.

هيكل تنظيمي متعدد المهام

ولا يبدو الوجود الحوثي عشوائياً، إذ تتحدث المصادر عن بنية تنظيمية متكاملة تتوزع فيها المسؤوليات بين الملفات السياسية والعسكرية والمالية والأمنية.

ويتولى أبو إدريس الشرفي إدارة البعثة الحوثية في العراق، والإشراف على العلاقة مع قيادات الفصائل العراقية وهيئة الحشد الشعبي، فيما يوصف أبو علي العزي بأنه أحد أبرز مسؤولي برنامج الطائرات المسيرة، ويتولى ملفات التدريب ونقل الخبرات الفنية والتنسيق العملياتي.

أما الملف المالي، فيدار عبر فضل الشرفي، الذي يشرف على الموارد المالية وأنشطة جمع الأموال من خلال واجهات ومؤسسات خيرية، من بينها جهة تحمل اسم (مؤسسة المواطن الخيرية) في النجف.

وفي المقابل، يتولى عبد الملك مرتضى، المعروف بـ(أبو طالب)، مسؤولية خطوط الإمداد والتنسيق اللوجستي بين ساحات نفوذ الجماعة، بينما يشرف قيادي أمني يعرف باسم (أبو هبة) على الملفات الاستخباراتية وسط تكتم شديد بشأن هويته وتحركاته.

شراكة في المسيرات والصواريخ

ويرى خبراء أمنيون أن أخطر أوجه التعاون بين الحوثيين والمليشيات الشيعية يتمثل في تبادل الخبرات العسكرية، ولا سيما في مجال الطائرات المسيرة والصواريخ بعيدة المدى.

فالخبرة التي راكمها الحوثيون خلال سنوات الحرب في اليمن، يقابلها ما تمتلكه الفصائل العراقية من بنية لوجستية ومخازن أسلحة وشبكات انتشار داخل العراق، أوجد بحسب تقديرات أمنية، منظومة تعاون متقدمة تشمل التدريب والتخطيط العملياتي وتطوير أساليب تنفيذ الهجمات.

ويعتقد مراقبون أن هذا المستوى من التنسيق يؤكد أن العلاقة بين الطرفين لم تعد قائمة على الدعم المتبادل، بل أصبحت أقرب إلى غرفة عمليات مشتركة تتبادل الأدوار والخبرات وفق متطلبات ساحات الصراع المختلفة.

شبكات مالية موازية

وتشير مصادر عراقية إلى أن شخصيات مرتبطة بالجماعة انخرطت خلال السنوات الماضية في أنشطة تجارية ومالية داخل العراق، تشمل شركات نقل وشحن، ومكاتب صرافة، ومطاعم، وواجهات استثمارية مختلفة، وسط شبهات باستخدام بعضها في غسل الأموال وتأمين مصادر تمويل لأنشطة الجماعة داخل اليمن وخارجها.

تحدٍ مباشر للدولة العراقية

ويأتي هذا النشاط المتنامي في وقت تواجه فيه الحكومة العراقية تحدياً متزايداً يتمثل في منع استخدام الأراضي العراقية منصة لإدارة صراعات ايران إقليمية أو إطلاق هجمات ضد دول الجوار، خصوصاً بعد الضربات الأخيرة التي استهدفت مواقع لفصائل مسلحة على خلفية هجمات بطائرات مسيرة انطلقت من داخل العراق.

ويرى محللون أن استمرار وجود شبكات عسكرية ولوجستية مرتبطة بالحوثيين داخل العراق يضع بغداد أمام اختبار حقيقي لقدرتها على فرض سيادة الدولة، وحصر السلاح والقرار العسكري بيد المؤسسات الرسمية، في ظل تنامي نفوذ المليشيات المسلحة العابرة للحدود، وتشابك أدوارها ضمن المشروع الإيراني في المنطقة.

شارك المقال f 𝕏 in