تفكيك

الرياض لم تضرب فجأة
أشهر من التحذيرات والاحتجاجات انتهت بعملية عسكرية:
لماذا تجاهلت بغداد كل الإنذارات؟

بغداد - سدن
29 يوليو 2026
الرياض لم تضرب فجأة
أشهر من التحذيرات والاحتجاجات انتهت بعملية عسكرية:
لماذا تجاهلت بغداد كل الإنذارات؟

بغداد - سدن

حاولت بعض القوى السياسية والمليشيات الشيعية التابعة لإيران في العراق تصوير الضربات السعودية - الأميركية التي استهدفت مواقعها على أنها هجوم مفاجئ أو تصعيد غير مبرر، إلا أن مراجعة التسلسل الزمني للأحداث تكشف صورة مختلفة تماماً، فهذه العملية جاءت بعد أشهر من التحذيرات الخليجية المتكررة، والاحتجاجات الدبلوماسية، والبيانات الرسمية التي طالبت بغداد مراراً بمنع استخدام أراضيها منصة لشن هجمات على دول الجوار.

فمنذ اندلاع المواجهة الإقليمية في أواخر شباط الماضي، بدأت دول الخليج ترصد تصاعداً في الهجمات التي تنطلق من داخل العراق بواسطة طائرات مسيرة وصواريخ، في ظل اتهامات مباشرة لمليشيات عراقية مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني بالوقوف خلف تلك العمليات.

الرسالة الأولى كانت دبلوماسية

في التاسع من آذار، اختارت الكويت الطريق الدبلوماسي، فأبلغت الحكومة العراقية، عبر سفيرها في بغداد، أن هجمات تستهدف أراضيها تنطلق من داخل العراق، مطالبة السلطات العراقية بالتدخل العاجل للحفاظ على العلاقات بين البلدين ومنع تدهور الأوضاع.

لكن التحذيرات لم توقف الهجمات.

وفي الخامس والعشرين من آذار، أصدرت السعودية والكويت والإمارات والبحرين وقطر والأردن موقفاً مشتركاً دعا بغداد إلى منع استخدام أراضيها في الاعتداء على دول الجوار، محذراً من أن استمرار تلك الهجمات سيقود إلى مزيد من التصعيد.

من التحذير إلى توثيق الهجمات

ومع استمرار الهجمات، بدأت العواصم الخليجية تعلن تفاصيلها تباعاً، ففي نيسان، أعلنت الكويت تعرض مراكزها الحدودية الشمالية لهجوم بطائرات مسيرة انطلقت من العراق.

وفي أيار، أعلنت السعودية اعتراض ثلاث طائرات مسيرة دخلت أجواءها من الاتجاه العراقي، قبل أن تعلن الإمارات اعتراض مسيرات أخرى، أصابت إحداها منشأة كهربائية خارج محيط محطة براكة للطاقة النووية، لتطالب أبوظبي بغداد بصورة مباشرة بمنع أي نشاط عدائي ينطلق من الأراضي العراقية.

وتكررت الهجمات لاحقاً على منفذ العبدلي الكويتي، فيما أعلن الأردن اعتراض مسيرات استهدفت أراضيه، وسط معلومات أمنية ربطت تلك العمليات بفصائل عراقية موالية لإيران.

الرياض أعلنت مصدر الهجمات بالاسم

وخلال الأيام الأخيرة، رفعت السعودية مستوى الوضوح في خطابها، ففي يومين متتاليين، أعلن المتحدث باسم وزارة الدفاع السعودية، اللواء الركن تركي المالكي، أن الدفاعات الجوية السعودية اعترضت طائرات مسيرة كانت تستهدف منشآت نفطية في الرياض والمنطقة الشرقية، مؤكداً أن تلك المسيرات انطلقت من الأراضي العراقية ونفذتها مليشيات إرهابية تابعة لإيران.

كما شددت الرياض في بياناتها على احتفاظها بحق الرد وفق القانون الدولي، وهو ما اعتبره مراقبون بمثابة إنذار أخير قبل الانتقال إلى الخيار العسكري.

احتجاجات.. ثم استدعاء سفراء

ولم تقتصر التحركات الخليجية على البيانات السياسية.. فخلال الأشهر الماضية، استدعت السعودية والكويت والإمارات والبحرين سفراء العراق لديها أكثر من مرة، وقدمت، بحسب بياناتها الرسمية، وثائق وصوراً ومعلومات تؤكد انطلاق الهجمات من الأراضي العراقية.

كما أصدر مجلس التعاون الخليجي سلسلة بيانات متلاحقة أدان فيها الاعتداءات، مؤكداً وقوفه الجماعي إلى جانب الدول المستهدفة، ومحملاً بغداد مسؤولية منع استخدام أراضيها في تهديد أمن المنطقة.

التعهد سبق الضربة بأيام

المفارقة التي يلفت إليها مراقبون أن الضربات السعودية - الأميركية جاءت بعد أيام فقط من تعهد رسمي عراقي، صدر من رئيس الوزراء علي فالح الزيدي، أكد فيه أن العراق لن يسمح باستخدام أراضيه أو أجوائه منطلقاً لأي اعتداء على المملكة أو دول الخليج.

غير أن الهجمات تواصلت رغم ذلك، لتعتبر الرياض، بحسب مراقبين، أن مرحلة التحذيرات والاحتجاجات والوعود قد استنفدت، وأن اللجوء إلى القوة أصبح، من وجهة نظرها، خياراً فرضته الوقائع الميدانية وليس قراراً اتخذ بصورة مفاجئة.

ويشير محللون إلى أن هذا التسلسل الزمني ينسف الرواية التي تحاول تصوير الضربات على أنها بداية الأزمة، إذ إن الأزمة بدأت فعلياً منذ اللحظة التي تحولت فيها الأراضي العراقية إلى منصة لإطلاق المسيرات باتجاه دول الجوار، فيما جاءت العملية العسكرية باعتبارها النتيجة الأخيرة لمسار طويل من الإنذارات السياسية والاحتجاجات الدبلوماسية التي لم تنجح في وقف الهجمات.

شارك المقال f 𝕏 in