تفكيك

إيران تتغير من الداخل..
ماذا بعد تراجع الحجاب الإلزامي؟

20 يونيو 2026
إيران تتغير من الداخل..
ماذا بعد تراجع الحجاب الإلزامي؟

كل شخص غير إيراني يتجوّل هذه الأيام بالمدن الكبرى في إيران، مثل طهران وأصفهان ومشهد وكرج وشيراز، سيشاهد واقعاً مختلفاً عما كان عليه قبل سنوات قليلة، ومختلفاً أيضاً عن الصورة التقليدية عن إيران التي لا تزال راسخة في أذهان كثيرين. فمظاهر الحريات الاجتماعية، وخصوصاً في ما يتعلق بلباس النساء وحضورهن في الأماكن العامة، باتت أكثر وضوحاً واتساعاً، ما يثير تساؤلات بشأن دلالات هذه التحولات وإمكان استمرارها في المستقبل.

اتساع هامش الحرية في الحياة اليومية

ولعل أبرز ما يكشف هذا الواقع هو ما يمكن مشاهدته يومياً في الشوارع والمولات والأسواق، حيث تمشي النساء والفتيات من دون حجاب إلزامي، وبملابس يخترنها بحرية، ويقدن السيارات، ويحضرن بكثافة في المقاهي والمطاعم والمتنزهات. بل إن كثيرات منهن يركبن الدراجات النارية في وسط المدن ومحيط الأسواق. وفي جبال شمال طهران الشهيرة، التي تُعد مناطق سياحية مثل دربند ودركه وتوشال، ولا سيما في أيام الخميس والجمعة، تتوجه أعداد كبيرة من النساء والفتيات لممارسة التنزه والمشي وتسلق الجبال، ومعظمهن يرتدين ملابس مريحة تناسب الطقس الحار والأنشطة الرياضية.

بل إن الإيرانيات في الأشهر الأخيرة لم يعدن يلتزمن بالحجاب الإلزامي حتى عند مراجعة بعض الدوائر الحكومية والبنوك، باستثناء بعض المؤسسات، مثل الشرطة والمحاكم والجامعات، التي لا تزال تشترط ارتداء غطاء الرأس للدخول.

ومن المثير للاهتمام أن الفتيات اللواتي يشعرن بالفرح والرضا إزاء هذه المساحة من الحرية الاجتماعية واللباس الاختياري يوسعن بهدوء ووعي مجالات حرية اللباس، ويشاركن تجاربهن في هذه الحركة المدنية السلمية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويخبرن الأخريات بأنهن خرجن بملابس قصيرة أو تنانير أو ملابس صيفية قصيرة الأكمام من دون أن يواجهن أي مشكلة.

وفي الأشهر القليلة الماضية، انخفضت حساسية الشرائح التقليدية التي اعتادت الدفاع عن الحجاب الإلزامي للنساء في الأماكن العامة، وباتت حرية اللباس أكثر اعتياداً، كما تراجعت التوترات الاجتماعية المرتبطة بتوجيه النصائح أو الانتقادات للنساء غير المحجبات.

ومع ارتفاع درجات الحرارة، أصبحت طريقة لباس الإيرانيات أكثر حرية وابتعاداً عن الحدود الرسمية للجمهورية الإسلامية. وتبرز حرية اللباس بشكل واضح في الفعاليات الثقافية والفنية وبعض الشوارع الشهيرة المكتظة بالمقاهي، مثل شارع إيرانشهر في طهران وحي جلفا في أصفهان، حيث يصل المستوى إلى ما يشبه المدن الغربية الحديثة.

الحرب عززت الظاهرة

حظيت حرية اللباس الاختياري بمزيد من الاعتراف في الأشهر الأخيرة التي شهدت الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل. ففي التجمعات الليلية التي كان ينظمها أنصار النظام في الساحات الكبرى، كانت تظهر إلى جانب النساء اللواتي يرتدين التشادور فتيات ونساء من دون حجاب بمظهر مختلف، يرفعن العلم الإيراني.

وقام بعض المصورين والمراسلين بمقابلتهن ونشر اللقاءات على وسائل التواصل الاجتماعي. ومن أشهرها مقابلات جواد شمقدري، الذي كان يجري بشكل شبه يومي حوارات مع عشرات الفتيات غير المحجبات اللواتي أعربن عن دعمهن للقوات المسلحة الإيرانية.

وكان التأييد لهؤلاء الفتيات كبيراً إلى درجة أن إمام جمعة رشت، عندما انتقد النساء غير المحجبات قبل نحو شهر، واجه موجة واسعة من الاحتجاجات العامة، ما اضطره إلى التراجع والقول إنه "يقبّل أرض أقدام النساء غير المحجبات المدافعات عن إيران".

ومع بداية مباريات كأس العالم، التي يشارك فيها المنتخب الإيراني أيضاً، امتلأت المقاهي ليلاً بعشرات الفتيات والشبان الذين يتابعون المباريات حتى منتصف الليل، ويكاد لا يوجد في هذه التجمعات أي فتاة ترتدي الحجاب.

إلى متى سيستمر هذا الواقع؟

لكن السؤال الأهم يبقى: هل سيستمر هذا الوضع؟ أم أن التشدد سيعود بعد استقرار الوضع السياسي في مرحلة ما بعد الحرب؟

في الإجابة، يمكن القول إنه، نظراً إلى المقاومة المدنية التي أبداها المجتمع الإيراني، ولا سيما النساء والفتيات خلال السنوات الأخيرة، فمن غير المرجح أن تتمكن السلطات من إعادة الوضع في الشوارع والأماكن العامة إلى ما كان عليه سابقاً.

وفي الوقت نفسه، من غير المرجح أن تعترف الجمهورية الإسلامية رسمياً بحرية الحجاب عبر قانون أو أنظمة جديدة، ومن المحتمل أن تكتفي بفرض الحجاب في الإعلام الرسمي والمؤسسات والدوائر الحكومية، مع التعايش مع حرية اللباس في الأماكن العامة.

وبطبيعة الحال، سيختلف هذا الوضع من مدينة إلى أخرى ومن منطقة إلى أخرى بحسب الثقافة والاقتصاد والظروف الاجتماعية، وقد يحاول بعض المتشددين في المدن البعيدة عن العاصمة اتخاذ إجراءات تقييدية محدودة. لكن اللافت أن أي إجراء ضد الحجاب الاختياري يواجه برد فعل سريع وواسع بسبب النشاط الكبير على وسائل التواصل الاجتماعي.

ويبدو أن الإيرانيات لا يرغبن في السماح بسهولة بفقدان ما حققنه من مكاسب في مجال الحريات الاجتماعية.

ويعتقد بعض المحللين الاجتماعيين وعلماء الاجتماع أن أهم حركة اجتماعية في إيران خلال نصف القرن الماضي، والتي استطاعت تحقيق أكبر إنجاز بأقل كلفة، وأجبرت السلطة على التراجع وقبول مطالبها، هي حركة النساء والفتيات الإيرانيات من أجل الحصول على حرية اللباس.

شارك المقال f 𝕏 in