تفكيك

من يختار ما نشربه؟
حين تتحول أذواقنا إلى منتج في قسم التسويق

واشنطن - سدن
5 أغسطس 2026
من يختار ما نشربه؟
حين تتحول أذواقنا إلى منتج في قسم التسويق

واشنطن - سدن 

في كل صيف، تظهر “موضة” جديدة، مرة يكون الجميع يحمل كوب قهوة الماتشا، ثم يتحول المشهد إلى عصير أخضر، وبعدها مشروب برتقالي، ثم كوكتيل معين، حتى يخيل للمرء أن العالم كله اتخذ القرار نفسه في اللحظة نفسها.

لكن هل اختار الناس ذلك فعلاً؟ أم أن أحداً اختار عنهم؟

هذا هو السؤال الذي تطرحه الكاتبة ريبيكا واتسون في مقال لصحيفة فايننشال تايمز، مستخدمة مثالاً يبدو بسيطاً: “مشروب الصيف”. إلا أن المقال، في جوهره، ليس عن المشروبات، بل عن الطريقة التي أصبحت بها شركات التسويق تصنع رغباتنا، ثم تقنعنا بأنها خرجت من داخلنا.

صناعة الموضة

تشير الكاتبة إلى أن صيف 2026 شهد حملة إعلامية ضخمة للترويج لمشروب Hugo Spritz، حتى بدا وكأنه الخيار الطبيعي لكل شخص. الصحف، والمواقع، والمؤثرون، والمشاهير… الجميع يتحدث عن المشروب نفسه.

وفي المقابل، ظهرت حملة أخرى تدفع باتجاه مشروب مختلف هو Vodka Cran.

من يراقب المشهد قد يظن أن الناس قرروا فجأة تغيير أذواقهم.

لكن الكاتبة ترى أن ما يحدث أقرب إلى حملة تسويقية منسقة، لا إلى تحول عفوي في الذوق العام.

عندما تصبح الرغبة صناعة

تاريخياً، لم تكن هذه الظاهرة جديدة، فقد سبق أن تحولت مشروبات بعينها إلى ظواهر عالمية بفضل الأفلام أو الإعلانات.

* مسلسل Sex and the City جعل مشروب Cosmopolitan رمزاً للأناقة.

* فيلم The Big Lebowski أعاد إحياء مشروب White Russian.

* وفي عام 2018، اجتاح Aperol Spritz العالم حتى أصبح عنواناً لصيف كامل.

المشروب لم يكن أفضل من غيره بالضرورة، لكنه كان الأكثر حضوراً في الصور والإعلانات وشبكات التواصل.

المشاهير يبيعون أسلوب حياة.. لا زجاجة

توضح الكاتبة أن الشركات لم تعد تبيع الكحول وحده، بل تبيع صورة الحياة التي ترافقه.

حين يظهر نجم سينمائي يحمل كأساً معيناً، أو ترتبط علامة تجارية بممثلة مشهورة، فإن المستهلك لا يشتري المشروب فقط، بل يشتري الوهم الذي يرافقه.

كأن الكأس الصغيرة تعده بحياة أكثر رفاهية، وعطلة أجمل، وأصدقاء أكثر، وربما شخصية أكثر جاذبية.

ولهذا السبب دخل عدد كبير من المشاهير عالم إنتاج المشروبات بأنفسهم، فلم يعد الإعلان كافياً، بل أصبح المشهور هو المنتج نفسه.

نحن أصبحنا جزءاً من الإعلان

أخطر ما في المقال ليس الحديث عن الإعلانات التقليدية، بل عن شبكات التواصل.

فبمجرد أن يحمل آلاف الأشخاص المشروب نفسه، ويصورونه، وينشرونه على إنستغرام أو تيك توك، تتحول الجماهير نفسها إلى حملة تسويق مجانية.

كل صورة جديدة تصبح إعلاناً جديداً، وكل مستخدم يتحول إلى مندوب مبيعات، ربما دون أن يدرك، وهنا لا يعود السؤال: هل أعجبني المشروب؟

بل يصبح: لماذا بدأ يعجبني أصلاً؟

من الماتشا إلى الخوارزميات

تربط الكاتبة بين هذه الظاهرة وما يحدث على الإنترنت عموماً، فالخوارزميات تعرف كيف تجعل فكرة معينة تبدو منتشرة، ثم تبدأ الحسابات المختلفة بتكرارها، ثم يقتنع الناس بأنها أصبحت الاختيار الطبيعي.

وما يزيد الصورة قتامة أن كثيراً من هذا الانتشار لم يعد يأتي من البشر أصلاً، بل من حسابات وهمية وبرامج آلية (Bots).

وتشير الكاتبة إلى فضيحة شركة تسويق رقمي كشفت أنها أنشأت آلاف الحسابات المزيفة لإيهام الناس بأن فرقة موسيقية معينة أصبحت حديث الجميع.. ولهذا فان النجاح الذي بدا عضوياً كان في الحقيقة صناعة رقمية كاملة.

لماذا تخيفها تقنيات الذكاء الاصطناعي؟

في نهاية المقال، تربط واتسون بين هذا العالم وبين الذكاء الاصطناعي، ليس لأنها تعارض التقنية نفسها، بل لأنها ترى أن الفلسفة واحدة.

فكلتا الحالتين تقومان على افتراض أن الإنسان يمكن التنبؤ بسلوكه، وتوجيه قراراته، ودفعه نحو خيارات محددة، إذا توفرت البيانات الكافية والخوارزميات المناسبة، وهذا ما يمنحها شعوراً بالقلق، ليس من المشروب، بل من المستقبل.

وقد يبدو الحديث عن (مشروب الصيف) ترفاً غربياً لا يعني كثيراً القارئ العربي، لكن الفكرة أوسع بكثير، فالآليات نفسها التي تصنع موضة مشروب، هي التي تصنع موضة الملابس، والأغاني، والأفكار، وحتى المواقف السياسية أحياناً.

ففي عالم اليوم، لم تعد الشركات تبيع منتجاً فقط، بل تبيع شعوراً بالانتماء، فإذا شربت هذا المشروب، أو ارتديت تلك العلامة، أو استخدمت هذا التطبيق، أصبحت جزءاً من التيار الصحيح.

والأخطر أن وسائل التواصل جعلت الفرد يظن أنه يتخذ قراراته بحرية، بينما تكون الخوارزميات قد مهدت له الطريق مسبقاً.

لذلك، لم يعد السؤال الحقيقي: ما الذي يعجبني؟

بل: هل هذا يعجبني فعلاً… أم أن أحداً نجح في إقناعي بأنه يجب أن يعجبني؟

وربما هذه هي المعركة الثقافية الأكبر في عصر الذكاء الاصطناعي: ليس الدفاع عن حرية التعبير فقط، بل الدفاع عن حرية الذوق، وحق الإنسان في أن يكتشف ما يحب بنفسه، لا ما صممته له غرف التسويق والخوارزميات.

شارك المقال f 𝕏 in