دمشق - سدن
تشهد محافظة السويداء تطورات متسارعة توحي بأن التشكيلات المسلحة التي يقودها حكمت الهجري تواجه واحدة من أصعب مراحلها منذ إعلان ما سمي بـ(الحرس الوطني) قبل نحو عام، في ظل مؤشرات متزايدة على انسحابات غير معلنة من بعض الفصائل، وتراجع في مصادر التمويل، إلى جانب تصاعد حالة السخط الشعبي نتيجة التدهور الأمني والمعيشي.
وبحسب مصادر محلية وتقارير إعلامية، بدأت فصائل كانت منضوية ضمن الحرس الوطني بتقليص انتشارها الميداني، فيما اختارت مجموعات أخرى الابتعاد تدريجياً عن هذا التشكيل من دون إعلان رسمي، وسط قناعة متنامية لدى بعض قادتها بأن مشروع الهجري وجماعته فشل وأدخل المحافظة في مزيد من التعقيد السياسي والأمني.
وتشير مصادر مطلعة إلى أن اجتماعات شهدتها مناطق في ريف السويداء عكست حالة استياء واسعة من طريقة إدارة الملف الأمني والخدمي، ومن غياب أي حلول للأزمات اليومية التي يعانيها السكان، في وقت تتزايد فيه الشكاوى من انتشار السلاح والانفلات الأمني.
أزمة داخلية تتسع
ويرى مراقبون أن ما يجري لم يعد مجرد خلافات تنظيمية بين الفصائل، بل يعكس أزمة بنيوية داخل التشكيل نفسه، بعد أشهر من الاشتباكات المتكررة وعمليات القتل والخطف والسرقة التي شهدتها مناطق مختلفة من المحافظة، وهو ما انعكس سلباً على حياة المدنيين وأضعف الثقة بأي مشروع يقوم على تعدد مراكز القوة المسلحة خارج إطار مؤسسات الدولة.
كما تتحدث مصادر محلية عن بروز حالة من التنصل الصامت داخل عدد من الفصائل، مع تراجع الحماسة للاستمرار في التشكيل، خاصة بعد تعثر الوعود المتعلقة بالتمويل والرواتب، الأمر الذي دفع بعض العناصر إلى مغادرة مواقعهم أو تقليص نشاطهم.
التمويل: نقطة التحول
وتزامناً مع هذه التطورات، تداولت مصادر محلية معلومات عن تراجع واضح في حجم التمويل الخارجي الذي كانت تعتمد عليه بعض التشكيلات المسلحة في السويداء.
وبحسب ما نشر في وسائل إعلام محلية، فإن عمليات الدعم المالي شهدت انخفاضاً ملحوظاً خلال الأشهر الماضية، وسط حديث عن توقف بعض التحويلات الخارجية وتقليص مصادر تمويل أخرى، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على قدرة تلك التشكيلات على الاحتفاظ بعناصرها أو الاستمرار في تقديم الامتيازات التي سبق أن وعد بها المنتسبون إليها.
المواطنون يدفعون الثمن
وفي موازاة الأزمة الداخلية، تتفاقم الأوضاع الإنسانية في السويداء، مع استمرار تراجع الخدمات وازدياد الضغوط الاقتصادية والأمنية على السكان، الأمر الذي دفع آلاف العائلات إلى مغادرة مناطقها خلال الأشهر الماضية، بينما تتواصل الاحتجاجات المطالبة بعودة النازحين إلى قراهم وتأمين ظروف آمنة ومستقرة للحياة.
وتؤكد منظمات دولية أن الاشتباكات الأخيرة أدت إلى موجات نزوح واسعة، في وقت لا تزال فيه قطاعات كبيرة من الأهالي تعيش أوضاعاً إنسانية صعبة.
الدولة.. الخيار الوحيد
في المقابل، تؤكد الحكومة السورية استمرار جهودها لإعادة الاستقرار إلى المحافظة، عبر تأمين عودة الأهالي إلى مناطقهم، وإعادة تفعيل المؤسسات الرسمية، وبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي السورية.
وكان محافظ السويداء قد أعلن جاهزية المحافظة لاستقبال الأهالي الراغبين بالعودة إلى قراهم، مع اقتراح تشكيل لجان محلية لتنظيم عملية العودة بصورة آمنة ومنظمة، في خطوة تعكس تمسك دمشق بخيار الحلول المؤسسية بعيداً عن واقع التشكيلات المسلحة.
ويرى محللون أن التطورات الأخيرة تعزز القناعة بأن استمرار تعدد القوى المسلحة خارج إطار الدولة لم يحقق الاستقرار الذي وعد به سكان السويداء، بل أسهم في تعميق الأزمات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية.
ويضيف هؤلاء أن المحافظة تقف اليوم أمام مفترق طرق حاسم، فإما استمرار حالة الانقسام وما تفرضه من فوضى واستنزاف، أو العودة إلى مؤسسات الدولة باعتبارها الإطار القادر على فرض الأمن، وإعادة الخدمات، وتهيئة الظروف لعودة الحياة الطبيعية إلى السويداء.