دمشق - سدن
بعد سنوات طويلة من الحرب والقتل والاعتقال والتهجير، بدأت دمشق تفتح أحد أكثر الملفات حساسية في تاريخ سوريا الحديث: محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات التي ارتُكبت بحق السوريين خلال عهد النظام السابق.
ففي مشهد كان يصعب تخيله قبل سنوات، يمثل مسؤولون بارزون من نظام بشار الأسد أمام القضاء السوري، في خطوة ينظر إليها كثير من السوريين بوصفها بداية طريق طويل نحو العدالة، وإنصاف مئات الآلاف من الضحايا الذين دفعوا أثماناً باهظة طوال سنوات الصراع.
أسماء ثقيلة على مقاعد الاتهام
وخلال الأيام الماضية، انطلقت جلسات محاكمة عدد من أبرز رموز النظام السابق، يتقدمهم مفتي الجمهورية السابق أحمد حسون، المعروف لدى معارضيه بلقب (مفتي البراميل)، والذي يواجه اتهامات تتعلق بالتحريض على القتل والمشاركة في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
كما تواصلت محاكمة عاطف نجيب، الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا، المتهم بالمسؤولية عن انتهاكات رافقت أحداث عام 2011، إضافة إلى بدء محاكمة وسيم الأسد، الذي يواجه اتهامات تتعلق بارتكاب جرائم وانتهاكات بحق المدنيين.
ويرى مراقبون أن مجرد مثول هذه الشخصيات أمام القضاء يمثل تحولاً سياسياً وقانونياً غير مسبوق في سوريا الجديدة.
السوريون يريدون العدالة لا الانتقام
ورغم الترحيب الشعبي الواسع بهذه المحاكمات، يؤكد قانونيون وحقوقيون أن نجاحها سيقاس بقدرتها على الالتزام بمعايير العدالة وسيادة القانون.
ويشدد أكاديميون وخبراء على أن محاسبة المتهمين يجب أن تتم ضمن إطار قانوني واضح ومستقل، يضمن حقوق الضحايا والمتهمين معاً، ويؤسس لمسار عدالة انتقالية حقيقي، بعيداً عن الانتقائية أو تصفية الحسابات.
ويؤكد هذا التوجه أن الدولة السورية الجديدة تؤكد أن القانون سيكون المرجعية الوحيدة، وأن العدالة لن تتحول إلى أداة للانتقام، بل إلى وسيلة لإغلاق واحدة من أكثر صفحات التاريخ السوري ألماً.
مطالب بملاحقة الفارين خارج البلاد
وفي الوقت الذي بدأت فيه المحاكمات داخل دمشق، تتصاعد المطالبات الشعبية والسياسية بملاحقة بقية المسؤولين الفارين خارج سوريا، وإصدار مذكرات توقيف وأحكام قضائية بحقهم، والعمل على استردادهم عبر القنوات القانونية الدولية.
ويرى نواب وشخصيات عامة أن العدالة لن تكتمل ما لم تشمل جميع المتورطين في الجرائم والانتهاكات، بغض النظر عن مواقعهم السابقة أو أماكن وجودهم الحالية.
العدالة الانتقالية أكثر من مجرد محاكمات
ويؤكد مختصون في القانون الدولي وحقوق الإنسان أن المحاكمات، رغم أهميتها، تمثل خطوة أولى فقط في مسار العدالة الانتقالية.
فهذا المسار، بحسب خبراء، يشمل أيضاً كشف الحقيقة، ومعرفة مصير المفقودين، وتعويض الضحايا، وإصلاح المؤسسات الأمنية والقضائية، وحفظ الذاكرة الوطنية، وضمان عدم تكرار الانتهاكات مستقبلاً.
كما يشدد الحقوقيون على أن نجاح التجربة السورية سيعتمد على استقلال القضاء، وشفافية المحاكمات، وحق الدفاع، وحماية الشهود، وإصدار الأحكام استناداً إلى الأدلة والقانون.
ويقول الاديب والحقوقي السوري سامر القنواتي، انه لا توجد دولة تستطيع بناء مستقبلها فوق المقابر الجماعية، أو فوق ذاكرة مليئة بالمعتقلين والمغيبين والضحايا، فقد دفعنا أثماناً إنسانية واقتصادية وسياسية هائلة خلال سنوات حرب بشار الأسد وحلفائه علينا، ومحاكمة المسؤولين عن الجرائم ليست استهدافاً لفئة أو طائفة أو منطقة، بل هي دفاع عن حق ملايين السوريين الذين عانوا من القتل والاعتقال والتهجير وفقدان أحبائهم.