بيروت - سدن
لم تعد العقوبات الأميركية والخليجية تستهدف قيادات حزب الله أو أذرعه العسكرية فقط، بل انتقلت إلى ما يصفه خبراء الأمن بـ(غرفة المحركات المالية) التي أبقت الحزب قادراً على تمويل أنشطته رغم سنوات طويلة من الحصار.
الإجراءات الجديدة التي أعلنها مركز استهداف تمويل الإرهاب (TFTC) لم تكن مجرد إضافة أسماء إلى قوائم العقوبات، بل استهدفت البنية الاقتصادية التي يعتمد عليها الحزب في إدارة أمواله وحركتها داخل لبنان وخارجه، عبر فرض عقوبات على خمس مؤسسات و16 شخصية مرتبطة بشبكاته المالية.
لماذا (القرض الحسن)؟
تعتبر الجهات الأميركية أن (القرض الحسن) لم يعد مجرد جمعية تقدم قروضاً اجتماعية، بل تحول خلال السنوات الماضية إلى ما يشبه مصرفاً موازياً خارج رقابة الدولة اللبنانية، يدير عمليات مالية واسعة ويؤمن السيولة للحزب في ظل القيود المفروضة على القطاع المصرفي اللبناني.
ووفق وزارة الخزانة الأميركية، فإن المؤسسة استخدمت حسابات وأسماء وسطاء للالتفاف على العقوبات، كما احتفظت بكميات كبيرة من العملات الأجنبية، وهو ما تعتبره واشنطن عاملاً يزيد الضغوط على الاقتصاد اللبناني ويمنح الحزب قدرة مالية مستقلة عن مؤسسات الدولة.
(بيت المال).. خزينة الحزب
أما (بيت المال)، فتصفه العقوبات بأنه الخزانة غير الرسمية لـ(حزب الله)، والمسؤول عن إدارة أصوله واستثماراته، وربط شبكاته المالية بالمصارف التقليدية.
وترى الجهات الغربية أن هذه المؤسسة تؤدي عملياً دور البنك المركزي للحزب، من خلال إدارة الأموال والاستثمارات وتوفير التمويل لمختلف أنشطته.
لماذا الآن؟
بحسب مراقبين، فإن هذه العقوبات تمثل انتقالاً من سياسة استهداف الأشخاص إلى سياسة تجفيف مصادر التمويل، وهي استراتيجية أكثر تأثيراً على المدى البعيد.
فالهدف لم يعد فقط معاقبة قيادات الحزب، بل تعطيل قدرته على دفع الرواتب، وتمويل شبكاته، وإعادة بناء موارده المالية.
رسالة تتجاوز لبنان
العقوبات جاءت بقرار مشترك من الدول الأعضاء في مركز استهداف تمويل الإرهاب، ما يعكس وجود تنسيق إقليمي ودولي متزايد لملاحقة شبكات التمويل التي تستخدم النظام المالي العالمي.
ويرى محللون أن الرسالة الأساسية هي أن أي مؤسسة مالية، مهما كانت صفتها الاجتماعية أو الخيرية، ستصبح هدفاً للعقوبات إذا ثبت استخدامها في تمويل أنشطة مصنفة إرهابية أو الالتفاف على القيود المالية، فإذا كانت الضربات العسكرية تستهدف السلاح، فإن العقوبات الجديدة تستهدف المال.. والمال هو شريان الحياة لأي تنظيم.
ولهذا تبدو هذه الجولة مختلفة، فهي لا تلاحق أفراداً فحسب، بل تضرب المنظومة التي توفر السيولة والاستثمارات والحركة المالية، وإذا نجحت هذه الإجراءات في عزل تلك الشبكات عن النظام المالي الدولي، فإن تأثيرها قد يكون أعمق وأطول أمداً من أي مواجهة عسكرية، لأنها تستهدف قدرة التنظيم على التمويل والاستمرار، لا مجرد قدرته على القتال.