لأكثر من سبعة عقود، بنت أوروبا أمنها على فرضية واحدة: الولايات المتحدة ستتولى حمايتها عند الخطر، لكن هذه القاعدة، التي تأسس عليها حلف شمال الأطلسي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تبدو اليوم أقرب إلى نهايتها من أي وقت مضى.
فبحسب تحليل نشرته مجلة (فورين أفيرز)، فإن أوروبا دخلت بالفعل مرحلة إعادة صياغة عقيدتها الأمنية، مدفوعة بتراجع الثقة في الضمانات الأميركية، وتصاعد المخاوف من روسيا، وعودة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض.
من (الاعتماد) إلى (الاستقلال)
ترى المجلة أن السنوات الماضية كشفت للأوروبيين هشاشة النموذج الذي اعتمدوا عليه لعقود، والقائم على تحقيق الرفاه الاقتصادي مع ترك العبء العسكري للولايات المتحدة.
أما اليوم، فقد بدأ هذا النموذج يتصدع، لتحل محله قناعة جديدة مفادها أن أمن أوروبا يجب أن تصنعه أوروبا نفسها، لا أن يبقى رهينة التحولات السياسية في واشنطن.
ترامب.. نقطة التحول
وتعتبر (فورين أفيرز) أن عودة ترامب إلى الرئاسة شكلت نقطة تحول في العلاقات عبر الأطلسي، إذ شعر الأوروبيون بأنهم لم يعودوا يحظون بالمكانة نفسها داخل الحسابات الأميركية، وأن مستقبل أمنهم لم يعد مضموناً كما كان خلال العقود الماضية.
وبحسب استطلاعات أوردتها المجلة، فإن 77% من الأوروبيين يعتبرون روسيا التهديد الأكبر لأمن القارة، بينما انخفضت نسبة من يرون الولايات المتحدة حليفاً يمكن الاعتماد عليه إلى 11% فقط، في مؤشر يعكس تراجعاً غير مسبوق في الثقة الشعبية.
سباق تسلح أوروبي
التحول لا يقتصر على الخطاب السياسي، بل بدأ يترجم إلى أرقام.. فألمانيا تقود اليوم أكبر برنامج لإعادة التسلح في أوروبا، مع توقع ارتفاع إنفاقها الدفاعي إلى نحو 172 مليار دولار بحلول عام 2029، إلى جانب استثمارات واسعة في الصناعات العسكرية، خصوصاً الطائرات المسيّرة.
وفي الوقت نفسه، بدأت عدة دول أوروبية مراجعة قوانين الخدمة العسكرية، وتوسيع برامج التجنيد، فيما تتزايد الدعوات إلى تقليل الاعتماد على السلاح الأميركي، وبناء قاعدة صناعية دفاعية أوروبية مستقلة.
نهاية مرحلة.. لا نهاية للتحالف
ورغم هذا التحول، لا تتوقع (فورين أفيرز) انهيار الشراكة مع الولايات المتحدة أو تفكك حلف الناتو، لكنها ترى أن العلاقة تدخل مرحلة جديدة تقوم على المصالح والقدرات أكثر من اعتماد أوروبا الكامل على المظلة الأميركية.
وبالتوازي مع ذلك، تتسارع مشاريع إنشاء منظومات دفاع أوروبية، تشمل قوات تدخل مشتركة ومبادرات لتعزيز الردع، في محاولة لبناء قدرة ذاتية على مواجهة الأزمات.
فما يجري في أوروبا ليس مجرد زيادة في الإنفاق العسكري، بل تحول استراتيجي قد يعيد رسم موازين القوة داخل الغرب نفسه.
فالقارة التي اعتادت طوال سبعين عاماً الاعتماد على واشنطن، بدأت تتصرف على أساس أن الضمانات الأميركية لم تعد مطلقة، وأن أولويات الولايات المتحدة تتجه أكثر نحو الصين ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ.
ولهذا، فإن السؤال لم يعد: هل ستستقل أوروبا أمنياً؟
بل: إلى أي مدى تستطيع بناء قوة ردع حقيقية قبل أن تفرض عليها الأزمات المقبلة اختباراً لا يحتمل التأجيل؟