بغداد - سدن
لم يكن بيان زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر الداعم لحملة مكافحة الفساد مجرد موقف سياسي اعتيادي، كما أن رد رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي لم يكن دفاعاً عادياً عن الإطار التنسيقي.
ففي السياسة، لا تتحرك القيادات بهذا التوقيت من دون أن تكون قد قرأت ما يدور خلف الكواليس، وما يجري اليوم يوحي بأن العراق دخل مرحلة جديدة عنوانها إعادة رسم البيت الشيعي من الداخل.
فالمالكي تحدث عن نجاح الإطار وضرورة الحفاظ عليه، في وقت لم يكن أحد قد أعلن رسمياً وجود أزمة داخله، وهو ما يفتح الباب أمام سؤال أكبر: هل أصبح الإطار يشعر للمرة الأولى بأن وحدته مهددة؟
الزيدي يغير قواعد اللعبة
طوال السنوات الماضية، كان الخلاف بين الصدر والإطار التنسيقي يدور حول تشكيل الحكومات وتقاسم السلطة والانتخابات.
أما اليوم، فقد تغيرت طبيعة الصراع بالكامل، فحكومة علي الزيدي فتحت ملفاً أكثر خطورة من الخلافات السياسية، عندما انتقلت إلى ملاحقة شبكات الفساد التي تشكل، أهم مصادر نفوذ الإطار التنسيقي، لتكسر واحدة من (المحرمات) السياسية في عراق ما بعد 2003، بعدما طالت نواباً ومسؤولين وشخصيات نافذة، قبل أن تتحدث التحقيقات عن أموال انتخابية وشبكات نفوذ تمتد داخل مؤسسات الدولة.. وهنا وجد الصدر القضية التي انتظرها منذ انسحابه من البرلمان.
الصدر يعود ولكن بشعار مختلف
منذ انسحابه عام 2022، رفض الصدر العودة إلى العملية السياسية، وأعلن أنه لن يشارك مع "الفاسدين"، لكن دعمه العلني لحملة الزيدي حمل رسالة مختلفة تماماً، فهو لم يعد إلى البرلمان.. بل عاد إلى الشارع، ووصف الزيدي بـ"جندي الإصلاح"، مانحاً الحكومة غطاءً شعبياً وسياسياً لم تكن تمتلكه قبل ذلك، وهو ما أعقبته تحركات جماهيرية مؤيدة للحملة، وعودة كوادر التيار الصدري إلى النشاط السياسي بعد أشهر طويلة من الصمت.
لماذا رد المالكي الآن؟
بيان المالكي، بحسب مصادر سياسية تحدثت لـ(سدن) في وقت سابق، لا يمكن فصله عن حالة القلق التي تسود بعض قوى الإطار، مع اتساع حملة الاعتقالات وتزايد الضغوط الداخلية والخارجية.
فالرسالة الأساسية في البيان لم تكن موجهة إلى الرأي العام، بل إلى شركائه داخل الإطار.
فحين يقول إن "الإطار سيبقى إطاراً"، فهو يبعث برسالة إلى من يفكر بإعادة التموضع أو البحث عن تحالفات جديدة مع حكومة الزيدي أو مع التيار الصدري.
واشنطن.. اللاعب الغائب الحاضر
ويزداد المشهد تعقيداً مع اقتراب زيارة الزيدي إلى واشنطن، فالملفات التي تتصدر أولويات الحكومة، وفي مقدمتها مكافحة الفساد وحصر السلاح بيد الدولة، هي نفسها الملفات التي تضغط عليها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
ورغم عدم وجود أي تحالف مباشر بين واشنطن والتيار الصدري، فإن تقاطع المصالح في هذه المرحلة يمنح الحكومة دعماً سياسياً غير مسبوق، ويضع الإطار التنسيقي أمام ضغوط داخلية وخارجية في آن واحد.
معركة في الافق
ربما لا تكون المعركة الحقيقية اليوم بين الصدر والمالكي، ولا حتى بين الزيدي والإطار التنسيقي.. المعركة الحقيقية تدور حول من سيقود البيئة السياسية الشيعية في العراق خلال السنوات المقبلة.
فالفساد أصبح عنوان الصراع، والسلاح أصبح جزءاً من المعادلة، فيما تتغير موازين القوى الإقليمية بصورة متسارعة، ولهذا، فإن دعم الصدر للزيدي قد لا يكون مجرد تأييد لحملة حكومية، بل إعلان دخول مرحلة جديدة من إعادة تشكيل السلطة داخل العراق.
أما بيان المالكي، فيبدو أقرب إلى جرس إنذار منه إلى بيان اطمئنان، إذ يكشف أن الإطار التنسيقي، الذي بدا لسنوات كتلة صلبة (ظاهرياً)، بدأ يتحسس وبقوة بأن الضغوط القادمة من الشارع، ومن القضاء، ومن المتغيرات الإقليمية، قد تكون أكبر من قدرته على الاحتواء، وأن مرحلة (البيت الشيعي الموحد الموالي لطهران) ربما تقترب من نهايتها إذا استمرت حملة الفساد بالوتيرة نفسها، واتسعت لتطال مراكز نفوذ أكثر حساسية.