تفكيك

من ينصب الفخ لعلي الزيدي؟
الانقلاب الهادئ.. هكذا بدأت غرفة العمليات المضادة لإسقاط حملة الفجر

بغداد - سدن
8 يوليو 2026
من ينصب الفخ لعلي الزيدي؟
الانقلاب الهادئ.. هكذا بدأت غرفة العمليات المضادة لإسقاط حملة الفجر

بغداد - سدن

بعد أقل من أسبوعين على الزلزال الذي هز الطبقة السياسية مع انطلاق حملة (الفجر)، لم تعد المواجهة تدور في ساحات ملاحقة المتهمين بالفساد، بل انتقلت إلى معركة أكثر خطورة تستهدف الرجل الذي أطلقها.

فبحسب مصادر سياسية مطلعة تحدثت لـ(سدن)، لم يعد الهدف وقف الاعتقالات فحسب، وإنما تفكيك المشروع بأكمله، عبر خطة سياسية وأمنية متعددة المراحل، تبدأ بإفراغ حملة مكافحة الفساد وحصر السلاح من مضمونها، وتنتهي بدفع رئيس الوزراء علي الزيدي إلى الوقوع في أخطاء قاتلة تنهي مشروعه الإصلاحي كما انتهت مشاريع سابقة.

وتقول المصادر إن القوى المتضررة أدركت منذ الساعات الأولى أن المواجهة المباشرة مع الزيدي ستكون انتحاراً سياسياً، بعدما وقف الشارع العراقي لأول مرة منذ سنوات، بصورة كاملة خلف حملة الاعتقالات، مطالباً بالمضي فيها حتى النهاية، لذلك، كان لا بد من تغيير قواعد الاشتباك، فبدلاً من الدفاع عن المتهمين، أصبح الهجوم موجهاً إلى الآلية نفسها، وبدلاً من التشكيك بملفات الفساد، بدأ التشكيك بالقوة التي تنفذها، وبدلاً من مهاجمة الزيدي مباشرة، بدأت محاصرته بالقانون، والبرلمان، والإعلام، ولجان التحقيق.

وتصف المصادر ما يجري بأنه (انقلاب هادئ)، لا يعتمد السلاح، بل اللجان، والتحقيقات، والتسريبات، والضغوط السياسية، في محاولة لتحويل المتهمين إلى ضحايا.

إعادة إنتاج سيناريو (أبو رغيف)

ولعل أخطر ما في الخطة، بحسب المصادر، أنها لا تستهدف إيقاف الاعتقالات فقط، وإنما تسعى لاستنساخ التجربة التي أطاحت بلجنة الفريق أحمد أبو رغيف في حكومة مصطفى الكاظمي.

يومها، لم تهزم اللجنة بسبب ضعف ملفاتها، وإنما بعدما تحولت هي نفسها إلى متهمة بقضايا الابتزاز والتعذيب والانتهاكات، وانتهى المشروع قبل أن يكتمل.

واليوم.. تحاول القوى نفسها تقريباً إعادة إنتاج السيناريو ذاته، ولكن بطريقة أكثر ذكاءً، فبدلاً من مهاجمة الحملة، يجري الحديث عن (كرامة النواب)، و(حقوق المعتقلين)، و(آليات تنفيذ أوامر القبض)، و(التجاوز على المؤسسات)، والنتيجة المطلوبة واحدة: إسقاط الحملة دون الدفاع عن الفاسدين.

أول الخيوط ظهرت في البرلمان

ولم يمر وقت طويل حتى بدأت أولى حلقات الخطة بالظهور من البرلمان، حيث انطلقت دعوات لتشكيل لجان تحقيق، ومطالب بزيارة المعتقلين، ومطالبة بالاطلاع على الاعترافات، والاعتراض على طريقة تنفيذ أوامر القبض، وتحول النقاش فجأة من سؤال: من سرق؟ إلى سؤال: كيف اعتقل؟ وهو التحول الذي تعتبره المصادر بداية الحرب الحقيقية ضد الحملة.

رسائل من السماء.. وأخرى من الداخل

في الوقت نفسه، بدأت رسائل أكثر خشونة بالظهور، فقد حلقت طائرة مسيرة مجهولة فوق المنطقة الخضراء بعد أيام قليلة من انطلاق الحملة، في رسالة فسرتها أوساط أمنية بأنها إنذار مبكر.

أما ملف حصر السلاح، فما يزال يواجه الجدار الأصعب، فباستثناء استجابة من التيار الصدري، لم تبد الفصائل المسلحة الكبرى أي استعداد عملي لتسليم أسلحتها، رغم البيانات السياسية الداعمة للحكومة.

وترى المصادر أن الزيدي وجد نفسه يقاتل على جبهتين في وقت واحد، الأولى ضد شبكات الفساد، والثانية ضد منظومة السلاح خارج الدولة، وهي معركة لا تقل تعقيداً عن الحرب على الفساد نفسه.

البيانات شيء.. والغرف المغلقة شيء آخر

وعلى الرغم من أن قوى الإطار التنسيقي لا تزال تعلن دعمها الكامل للحكومة، فإن مصادر سياسية تؤكد أن النقاش داخل الاجتماعات المغلقة مختلف تماماً.

فلا أحد يستطيع إعلان رفض مكافحة الفساد أو حصر السلاح أمام الرأي العام، لكن الجميع تقريباً يناقش كيفية إبطاء التنفيذ، وتحديد سقفه، وإعادة رسم حدوده، ولهذا انتقل الجدل من رفض الحملة، إلى محاولة إعادة هندستها.

الصدر يطلق الإنذار

وسط هذا المشهد، جاء موقف مقتدى الصدر مختلفاً تماماً، فهو لم يتحدث عن تفاصيل الاعتقالات، ولم يناقش آليات التنفيذ، بل وجه تحذيراً مباشراً من احتمال تعرض علي الزيدي لمحاولة اغتيال، ثم دعا أنصاره للنزول إلى الشارع دعماً لرئيس الوزراء، واصفاً إياه بـ(جندي الإصلاح)، وتقرأ أوساط سياسية هذا الموقف باعتباره رسالة بأن الصراع تجاوز مرحلة السجال السياسي، ودخل منطقة أكثر خطورة.

المالكي والسوداني.. حرب تحت غطاء مكافحة الفساد

وفي الخلفية، تبدو معركة أخرى أكثر تعقيداً، فالحملة أصابت بصورة كبيرة شخصيات محسوبة على رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، في وقت يواصل فيه نوري المالكي تقديم نفسه كأحد أبرز الداعمين للحملة.

وبينما يرى المالكي أن الحملة كشفت فساد المرحلة السابقة، يطالب فريق السوداني بفتح جميع ملفات الفساد منذ عام 2003، في إشارة واضحة إلى سنوات حكم المالكي، وهكذا.. تحولت معركة مكافحة الفساد أيضاً إلى ساحة لتصفية الحسابات داخل البيت الشيعي.

أين الخط الأحمر؟

المحلل السياسي عمر النداوي، يرى أن ما يجري لم يعد مجرد خلاف حول ملفات فساد، بل محاولة لإعادة رسم حدود السلطة في العراق، ويؤكد أن القوى التي لم تستطع منع حملة الاعتقالات، تحاول الآن السيطرة على مسارها، لأن نجاح الزيدي في الجمع بين تفكيك شبكات الفساد وحصر السلاح بيد الدولة سيعني ولادة معادلة سياسية جديدة تنهي امتيازات تراكمت طوال أكثر من عقدين.

أما المحلل السياسي د. صابر التكريتي، فيعتقد أن أخطر ما تواجهه الحكومة ليس الهجوم العلني، وإنما الاستنزاف الصامت.

ويشير إلى أن الخصوم يدركون أن إسقاط الزيدي دفعة واحدة أمر شبه مستحيل في ظل المزاج الشعبي الحالي، لذلك يعملون على إنهاكه تدريجياً، عبر اللجان، والطعون، والتسريبات، والإعلام، حتى تتحول الحكومة من مهاجمة الفساد إلى الدفاع عن نفسها.

ويحذر التكريتي، من أن أي تراجع في زخم الحملة سيقرأ داخل شبكات الفساد والسلاح على أنه إعلان انتصار، وهو ما قد يعيد إنتاج المنظومة ذاتها التي حكمت العراق طوال السنوات الماضية، ولكن بوجوه أكثر حذراً وأدوات أكثر دهاءً.

وبين حملة تسعى إلى اقتلاع منظومة تشكلت على مدى أكثر من عقدين، وغرفة عمليات تعمل بصمت لإبطائها أو احتوائها، يبدو أن معركة علي الزيدي الحقيقية لم تبدأ مع اعتقال الفاسدين.. بل من اقترابه منهم.

شارك المقال f 𝕏 in