مداد

الجواهري… وتمثال لا يعرفه

20 يوليو 2026
الجواهري… وتمثال لا يعرفه

لأنني أنتمي إلى جيل لم يعش عصر محمد مهدي الجواهري عندما كان عراقيا حقا، فقد عرفته كما عرفه كثيرون، من الكتب، من القصائد، ومن ظلّ صوته وهو يعبر عقودا من الجدل والمساومات. لكنني كنت قريبا من نجله فرات، أبو بان، ذلك الكاتب الذي كان يحمل مقاله الأسبوعي عندما كنت أشرف على الصفحة الأخيرة بجريدة “الجمهورية” قبل أكثر من ثلاثين عاما. كما لو كان يحمل شيئا من روحه، كان يسلّمني مقاله وكأنه يسلّمني هدية لا يجوز أن تُمسّ إلا بحرص مبالغ فيه. أحبّني لسبب ما، ربما لطريقة تعاملي مع مقاله الذي ينشر في الصفحة الأخيرة كما لو كان وثيقة يجب أن تُحفظ من الهواء.

أتذكّر نهارا شتويا في بغداد، حين دخل أبو بان بلا موعد وقال لي “هيا يا كرم، تعال معي”. لم أسأله إلى أين، ولم يكن بوسعي أن أرفض. في الطريق، وهو يقود مركبته، قال لي “أنت أقرب الناس لعميد الغناء العراقي الفنان عباس جميل، وها أنا أصحبك إليه، لدي ما يجب أن يسمعه”. كان منزل عباس جميل على بعد دقائق من مبنى جريدة “الجمهورية”، وكانت زوجته السيدة أم فيصل تستقبل ضيوفها كما لو أن البيت جزء من ذاكرة بغداد نفسها.

أخرج فرات شريط كاسيت، وطلب من أبي طارق أن يستمع. كانت قصيدة محمد مهدي الجواهري في مديح الملك الحسين بن طلال “يا أيها الملك الأجل” قد لحنها جمال سلامة وأدّتها الفنانة التونسية صوفية صادق ببراعة. جلس عباس جميل يحلل اللحن أمام فرات، بينما كنت أتهيأ لكتابة مادة صحفية عن ذلك اللقاء، لكن فرات قال لي إنه سيكتب مقاله الأسبوعي عن الموضوع، وانتهى الأمر.

لم تنته علاقتي البعيدة القريبة بالجواهري. فعندما شاع أنه سيعود إلى بغداد، وتهيأت الصحف للاحتفاء به، كتب صديقي محمد الجزائري مقالاً بعنوان “الجواهري أهلاً”، ووضعت صورته كاملة على غلاف مجلة الرافدين. لكن الجواهري لم يعد.

أتذكّر، قبل رحيل الجواهري بأربع سنوات، أني وقفت متسائلاً أمام مقاطع من قصيدته في مديح معمر القذافي معلّقة في رواق فندق “قوز التيك” في مدينة مصراتة. قال لي صديقي الكاتب الليبي عبدالكريم الدناع إن الجواهري كان موضع احتفاء كبير في ليبيا في الثمانينات، وألقى هناك قصيدته الشهيرة في “الأخ القائد”…! وهكذا اكتملت لدي سلسلة الزعماء الذين أغدق عليهم الجواهري بشعره السلس الذي يمسّ شغاف القلوب!

استعدت كل هذه المشاهد من الذاكرة عن الشاعر الذي لا ينتهي الجدل بشأنه شاعرا وإنسانا، وأنا أشاهد صور التمثال الجديد للجواهري في بغداد. تمثال يثير استياء الذائقة الفنية، لا لأن الذائقة الرفيعة للمعماري العراقي الدكتور إحسان فتحي وحدها ترفض الرداءة، بل لأن العقل القبوري الذي يحكم العراق المزيف اليوم عاجز بطبيعته عن إنتاج فن، أو تخليد شاعر، أو حتى فهم معنى الجمال. ولهذا لم يكن غريباً أن يستهجن فتحي ذلك التمثال البائس، تمثال وُلد تحت وطأة حاجة سياسية رخيصة، واستعراض سلطوي مكشوف، لا يمتّ بصلة إلى الجواهري ولا إلى بغداد التي عرفناها.

وهنا يتسلل سؤال لا يمكن تجاهله: كيف يمكن لحكومة فقدت حسّها الجمالي أن تدّعي قدرتها على تخليد شاعر؟ أي عقل هذا الذي يظن أن التمثال يمكن أن يعوّض غياب الذائقة، أو أن النحت يمكن أن يرمّم ما تهدّم في الروح؟ إن الرداءة هنا ليست صدفة، بل نتيجة طبيعية لسلطة لا ترى في الفن سوى مناسبة لالتقاط صورة، لا أكثر.

أرسل لي صديقي الدكتور احسان فتحي، أحد أساطين العمارة العراقية والعربية، ما كتبه عن التمثال: “ما هكذا يُخلّد الجواهري! أرى ضرورة قصوى لاستبدال تمثال الجواهري في أبي نؤاس بآخر يليق بشاعر العرب الأكبر“.

صُعق فتحي عندما رأى تمثالاً هزيلاً يُركّب على عجل، بلا مسابقة، بلا لجنة، بلا رؤية. تمثال يختل فيه كل شيء: النسب، الوقفة، الملابس، الرأس، اليدان المربوطتان خلف الظهر، القدمان، التنفيذ الرديء الذي لا يُصدق، ثم الفضيحة الكبرى: رأس آخر للجواهري أمام القاعدة… بلا معنى، بلا سبب، بلا ذرة من فهم.

يقول فتحي إن هذا العمل هزيل وغير مقبول بكل المعايير، وإنه لا يلوم الفنان منفذ العمل النحات نداء كاظم “ربما نُفذ العمل تحت ظروف قاهرة وهو في خريف عمره الفني” بقدر ما يلوم من صادق على هذا العبث: رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني الذي منح التكليف المباشر بلا شرعية ولا عدالة، بعد أن كيل أمامه المديح لعمل يفتقر إلى أبسط مقومات الجودة. حتى الذكاء الاصطناعي -كما يقول فتحي- قادر اليوم على اقتراح عشرات التماثيل للجواهري أفضل بما لا يقارن من هذا العمل المؤسف.

وهنا تبرز المفارقة، كيف يمكن لسلطة لا تريد أن تعرف الجواهري إلا بعين رغباتها، لا بحقيقته الصاخبة المتناقضة، أن تصنع له تمثالاً؟

أي جهل هذا الذي يظن أن النحت مجرد شكل، وأن الشعر مجرد اسم، وأن الجواهري يمكن أن يُختصر في قطعة حجر؟ إن التمثال هنا ليس فشلاً فنيا فقط، بل إعلان عن قطيعة كاملة مع معنى الثقافة نفسها.

هذه ليست مجرد أخطاء فنية؛ إنها فضيحة ثقافية تكشف كيف تُدار انتقائية الرموز في بلد اختُطف فيه الذوق، وقُمعت فيه الموهبة، وصارت الرداءة سياسة دولة. بلد تُنصب فيه التماثيل كما تُوزع المناصب: بالمحسوبية، بالاستعراض، وبعقل لا يرى في الفن سوى فرصة لالتقاط صورة رسمية أمام عمل لا يستحق النظر إليه.

ولهذا يختم فتحي بدعوة صريحة: لا افتتاح لهذا العمل المخجل، بل إزالته فورا، واستبداله بعمل يليق بشاعر العرب الأكبر. دعوة ليست فنية فقط، بل سياسية أيضا، لأنها تقول ما يخشاه الجميع: إن الرداءة لم تعد حادثا عابرا في العراق، بل أصبحت منهجا، وأصبحت السلطة راعيا رسميا للقبح.

ولعلّ المفارقة الأكثر إيلاما أن الجواهري، الذي قضى عمره في مطاردة المعنى، يُطارد اليوم بتمثال لا يعرفه. كأن الرداءة قررت أن تنتقم من الشعر نفسه، إنه ليس تمثالاً للجواهري؛ إنه تمثال للسلطة وهي تعترف، من دون أن تقصد، بأنها فقدت القدرة على صناعة الجمال… وفقدت معه القدرة على معرفة من هو الجواهري أصلاً.

 

شارك المقال f 𝕏 in