مفردة "سرقة" أكثر واقعية من مفردة "مفقود" فالثانية قد تكون إهمالاً غير مقصود، والأولى تصميم على الأذى والتخريب والتشويه والاستيلاء غير الشرعي. لذلك نجد بأن "السرقة" هي المناسبة جداً لضياع واختفاء الأثر التراثي الفني في الفترة التي أعقبت الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003 وما بعده. وهذا يعني إن " اختفاء" عدد لا يستهان به من الأعمال الفنية والنحتية لرواد الفن ومجايليهم بطريقة السرقة واللصوصية، لسهولة ذلك الفعل في تلك الأيام المريرة التي تغيّر فيها نظام الحكم السياسي بطريقة الاحتلال المباشر.
هذا أمر تطور لاحقاً في الواقع والميدان، من سرقة لوحات فنية الى سرقة أرواح بشرية بطريقة الخطف ومن ثم المساومة المالية، فالفعلان هما نتيجة الوجود العسكري الأجنبي، أدّى الى ظهور وإيجاد فرص لذواتٍ غير وطنية أربكت الواقع الاجتماعي بالعديد من المشاكل التي أخرجت المجتمع عن أطواره القارّة الى أطوار غريبة جداً، قد لا يكون من المناسب احتواؤها الآن ونحن نتقصى أثراً جمالياً سحقته الأقدام العابثة، في محاولة تشويه الصورة الوطنية عبر التراث الفني- الثقافي بسرقته ومصادرته وبيعه في المزادات العالمية والى بعض دول الجوار. لذلك نجد بأن الفقدان هو ضياع وإهمال ولوثة إدارية وقصور وظيفي، بينما السرقة مشروطة بتوفر عوامل خارجية للفوضى الداخلية والسيطرة على جوهر الدولة من خلال الثقافة والفن لتفتي بنيتها غير الظاهرة. ذلك العبث المؤلم وثقه كتاب "التراث الثقافي المفقود- الأعمال الفنية المسروقة من المتحف الوطني للفن الحديث" الذي أعدّته لجنة فنية وإدارية في دار المأمون للترجمة والنشر.
في العنوان الرئيس مفردة " المفقود" في حين وضع في العنوان الهامشي "المسروقة" وكلا العنوانين يشيان بأن آلافاً من الأعمال الفنية والنحتية سُرقت من المتحف لكبار الفنانين الرواد (عبدالقادر الرسام. جواد سليم. خالد الرحال. أرداش كاكا فيان. اسماعيل الشيخلي. حافظ الدروبي. اتحاد كريم. بتول الفكيكي. اكرم شكري. اسماعيل فتاح. شاكر حسن ال سعيد. سالم الدباغ. خالد الجادر. علاء بشير. فائق حسن. محمد غني حكمت. فرج عبو..) وغيرهم من عشرات المبدعين الرواد والمُحدثين في العديد من المدارس الفنية التشكيلية، التي نهضت في الفن العراقي في أطوار مختلفة من الحياة الفنية لعقود زمنية طويلة.
هذه التوثيق؛ الذي يحسبه بعض الفنانين والنقاد ناقصاً كوثيقة تاريخية، هو حصيلة أولية لسرقة وضياع كنوز ثقافية وطنية مهمة؛ عندما ضم الكتاب الشارح صوراً متعددة من اللوحات والأعمال النحتية التي سُرقت وغُيّبت وصودرت وبيعَت من المتحف الوطني للفن الحديث في بغداد. الذي يُعدّ كنزاً ثقافياً يؤشر المسارات الفنية العراقية منذ روادها الأوائل الذين أسسوا لنمط عراقي بتياراته وجماعاته الفنية الكثيرة ( جمعية أصدقاء الفن هي اول تجمع فني تأسس عام (1940-1941 وصولاً الى الأجيال التالية التي استلهمت من عطاءات الرواد، ما يميز مساراتها الإبداعية في تشكيل رؤى فنية ونقدية للفن العراقي في محيطه العربي في الأقل. فالمراحل الفنية للرسم العراقي بدأت من معرض الرواد عام 1920 بما يعني بأن الفن التشكيلي رافق نشوء الدولة العراقية منذ تأسيسها السياسي، واستمر زمنياً مع العقود التالية التي أفرزت أسماء جديدة وتيارات فنية وجماعات متعاضدة لتأسي نمط فني عراقي، يستلهم تاريخه القديم كأرضية حضارية له، يتشيّأ عليها الزمن الحضاري ويستقر بين الألوان التي عالجت معطياته، وصولاً ؛ في ما بعد؛ الى الحاضر السياسي والاجتماعي في زمنيته المتعاقبة.
مثل هذا الحدث العظيم؛ السرقة العلنية؛ قد يحدث في أية بلاد تتعرض الى الغزو الأجنبي؛ لكنه ينبغي أن لا يحدث في بلاد ميزوبوتاميا بلاد النهرين التي أسست للثقافة البشرية في الكتابة والتحضر والرقي والمعرفة؛ حتى هذا بات مصدراً من مصادر التشكيل العراقي في يقظته الفنية في رسم الشخصية العراقية وجمالياتها التاريخية التي تتصل بالعالم الخارجي عبر تراثها الثقافي والمعرفي الفخم. فالفنانون على مختلف مراحلهم الجيلية ينطلقون في ابداعاتهم من تلك الأرضية القوية؛ من التاريخ العميق للبلاد الثرية بكل شيء، ويؤسسون مضامين وعلاقات جديدة في اللون والفكرة والبنية الداخلية للرسم واللوحة والعمل النحتي. عارفين بأنهم أحفاد التاريخ السومري بكل قرونه الطويلة، واستباتاته الإبداعية المثيرة للجدل والاهتمام. لذلك فإن سرقة آلاف من اللوحات هو كارثة نفسية واعتبارية قبل أن تكون فنية وثقافية، قد لا يشعر بها المواطن العادي بقدر ما يشعر بها صاحب الصلة وهو الفنان والمثقف العام والمسؤول الثقافي. وفقدان كنز ثقافي شاهد على تاريخية الفن التشكيلي العراقي هو فقدان جزء كبير من صياغات ثقافية شخصية نُحتت على مدار أجيال وعقود فنية وثقافية وإنسانية.
تأخر صدور الكتاب كثيراً، فبعد عشر سنوات من التغيير السياسي جُمعت حصيلة المسروقات الفنية؛ واللصوص هم محليون وعالميون؛ في عام 2013 وبالرغم من الجهد الواضح في رصد مئات وآلاف من اللوحات إلا إن ما سُرق وضاع وفُقد يبدو لنا أكبر بكثير مما احتواه الكتاب من إشارات واضحة على حجم السرقات التي طالت المتحف الوطني. لهذا سمعنا وقرأنا الكثير من الانتقادات والملاحظات التي توجهت الى التصويبات على الكتاب الجامع في عرض حجم السرقات الكبيرة التي طالت المتحف الوطني للفن الحديث، مثلما طالت معارض الفن والمخطوطات والتحفيات والآثار النادرة التي لا تقدر حتى بأثمان باهظة، وبالتالي فهو وثيقة ومرجع بَصَري مباشر لسرقة حوالي 6870 أثراً فنياً كبيراً لرواد العراق.
واضح بأن لصوص المتحف قاموا بسرقات منظمة كونهم على معرفة وخبرة مسبقة بما يحتويه المتحف، حينما غابت السلطة مؤقتاً عن الحياة الاجتماعية اليومية، وتركت للمخربين وحرامية الفن فسحة واسعة للاستيلاء على جزء مهم من تاريخ العراق الفني والعبث به قصداً. وإذا ما كان الواقع يدين العصابات المحلية المتمرسة بالسرقة، فإن عوامل خارجية أمكن رصدها في ذلك الوقت من إحدى دويلات الجوار القريبة من العراق التي عاثت في المتحف تخريباً. وعملت على تدميره بقصدية جليّة. وهذا أمر يمكن تحليله بسهولة يتعلق بالنقص التاريخي الفادح لتلك الدويلة، لهذا قامت بسرقة وتدمير ما افتقدته في تاريخها الفني والثقافي.
* صدر الكتاب عالم 2013 كوثيقة بصرية وفنية أوضحت حجم المسروقات المهولة في المتحف، وناشدت (في وقتها) اليونسكو والمنظمات الفنية والثقافية العالمية والصحفيين والإعلاميين للإسهام في استرجاع ما سُرق وبِيع وضاع وانفقد ولا نعرف ماذا استرجعت الدولة من المسروقات الفنية الوطنية الفنية والثقافية حتى الآن..!