مكتبة الفيديو

‏كاظم الساهر يبث الحياة من جديد في شعر عزيز الرسام

24 يوليو 2026 334 كلمة YouTube / سدن

‏هذه الأغنية ليست مجرد عودة عاطفية لـكاظم الساهر إلى اللهجة العراقية، بل عودة تاريخية إلى نقطة البدء نفسها؛ إلى الشاعر عزيز الرسام الذي اقترنت معه بدايات الساهر قبل أكثر من ثلاثين عاماً. طوال هذه العقود، ارتقت خيارات كاظم الشعرية بعيداً عن موهبة الرسام البسيطة، عندما تعامل مع صنّاع قلائد الغناء العراقي الفضية داود الغنام وكريم العراقي وكاظم السعدي ثم الأمير بدر بن عبدالمحسن، حتى دخل فضاء قصائد نزار قباني، فصار معيار النص عند الساهر أعلى من أن يقبل بالتنازل، مثلما لم يكن مستعداً يوماً للتفريط بجملته اللحنية المحكمة.

‏ما تفعله أغنية “هو انت” اليوم أنها تعيد تقديم عزيز الرسام ليس بالطريقة المباشرة التي عُرف بها في نهاية الثمانينات وبداية التسعينيات، بل بلمسة متسائلة، فيها عتاب وفيها محاكمة، خصوصاً في توظيف مفردة “أويلي” التي تقترن عادة  بمفتتح مقام المخالف العراقي، وتعبر عن المناجاة الموجعة أكثر مما تعبر عن الشكوى العابرة. لا أحد سيكون سعيداً بهذه الأغنية مثل عزيز الرسام نفسه، لأنها تبث الحياة في شعره بعد رحيل الرائعين كاظم السعدي وكريم العراقي، وتضع اسمه من جديد في سياق تجربة غنائية نضجت كثيراً ولم تعد تقبل إلا بما يليق بتاريخ كاظم الساهر.

‏على المستوى الموسيقي، يمكن قراءة لحن “هو انت” بوصفه درساً في الاقتصاد التعبيري؛ فالساهر يبتعد عن التعقيد المقامي الظاهر، لكنه يزرع في الجملة القصيرة ما يكفي من التوتر الداخلي ليحمل النص كله. البناء اللحني يقوم على حركة محدودة في المساحة الصوتية، مع ارتكاز واضح على نبرة الحزن العراقي، من دون أن يغرق في الاستعراض أو التطريب المفتعل. الجملة “هو انت اللي بدت وياه قصتي” تُبنى على تكرار مقصود، يجعل المستمع يشعر أن اللحن يلاحق المعنى لا يسبقه، بينما تأتي مفردة “أويلي” في موقعها لتفتح نافذة على المخالف، كأنها تنهيدة مقامية صغيرة داخل نسيج بسيط، لكنها مشحونة بالوجع. هذا النوع من التلحين يكشف أن الساهر ما زال متمسكاً بفكرة أن الأغنية العراقية يمكن أن تكون عميقة من دون أن تكون معقدة، وأن الجملة المحكمة أهم من الزخرفة، وأن العتاب حين يُغنّى بمقام صحيح يصبح أقرب إلى المناجاة منه إلى الشكوى، وهذا بالضبط ما يجعل “هو انت” أغنية تستحق أن تُقرأ نقدياً، لا أن تُسمع فقط.