بغداد - سدن
فتحت تصريحات مستشار الأمن القومي العراقي قاسم العبودي عن وجود (خلايا أوكرانية) تنفذ عمليات قصف داخل العراق، باباً واسعاً من الجدل والسخرية، قبل أن تتحول إلى أزمة دبلوماسية بعد رد أوكراني حاد نفى الرواية بالكامل، وطالب بغداد بعدم الزج بمؤسسات الدولة في ما وصفه بـ"الترويج لمعلومات مضللة".
وكان العبودي قد قال، خلال مقابلة تلفزيونية، إن الأجهزة الأمنية اعتقلت مجموعات نفذت عمليات قصف داخل العراق، وإن أفرادها اعترفوا بالعمل لصالح أوكرانيا، مشيراً إلى وجود تدخل أوكراني في البلاد، لكنه لم يقدم أي تفاصيل عن طبيعة الأهداف التي تعرضت للقصف، أو توقيت تلك العمليات، أو أي أدلة تدعم هذا الاتهام.
وفي مفارقة لافتة، عاد العبودي نفسه ليؤكد أن ملف الهجمات داخل العراق معقد ويحتاج إلى مزيد من التحقيق قبل توجيه الاتهامات، وهو ما أثار تساؤلات حول كيفية الجزم بوجود خلايا أوكرانية في الوقت الذي يؤكد فيه أن التحقيقات لم تكتمل بعد!
ولم يتأخر الرد الأوكراني، إذ أصدرت وزارة الخارجية في كييف بياناً شديد اللهجة وصفت فيه تصريحات مستشار الأمن القومي بأنها "ادعاءات بلا أي حقائق أو أدلة"، مؤكدة أن السلطات العراقية لم تبلغها عبر القنوات الدبلوماسية بأي معلومات أو ملاحظات قبل إطلاق هذه الاتهامات على شاشة التلفزيون.
وقالت الخارجية الأوكرانية إن من غير المقبول أن يوجه مسؤول رفيع في دولة صديقة اتهامات بهذا الحجم دون تقديم أدلة أو اتباع المسارات الرسمية، معتبرة أن ذلك يضر بالعلاقات الثنائية ويتعارض مع قواعد الاحترام المتبادل بين البلدين.
وذهبت كييف أبعد من ذلك، معتبرة أن هذه الرواية تنسجم مع الخطاب الدعائي الروسي الذي يسعى إلى تشويه صورة أوكرانيا في الشرق الأوسط، ولم تستبعد أن تكون التصريحات جزءاً من حملة معلوماتية تستهدف الإضرار بالعلاقات العراقية - الأوكرانية.
ودعت الخارجية الأوكرانية الحكومة العراقية إلى منع استخدام مؤسسات الدولة لنشر معلومات غير موثقة تخدم مصالح أطراف ثالثة.
وأثارت تصريحات العبودي موجة واسعة من التعليقات الساخرة على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ رأى كثير من المدونين أن تحميل (خلايا أوكرانية) مسؤولية عمليات القصف يبدو محاولة غير مقنعة لصرف الأنظار عن الاتهامات المتكررة التي طالت المليشيات الشيعية في هجمات مماثلة داخل العراق وضد دول خليجية، خصوصاً أن السلطات سبق أن شكلت لجان تحقيق عديدة في تلك الهجمات من دون إعلان نتائج حاسمة.
وتكتسب القضية بعداً إضافياً بالنظر إلى أن العبودي تولى منصبه قبل نحو شهر فقط خلفاً لقاسم الأعرجي، وكلاهما ينتمي إلى مليشيا بدر التابعة لايران، فيما لم يسبق لأي مسؤول أمني عراقي أن اتهم أوكرانيا بالوقوف خلف هجمات داخل البلاد.
وفي المقابل، كانت العلاقة الأمنية بين بغداد وكييف خلال السنوات الماضية تدور في اتجاه مختلف تماماً، إذ سبق للمستشار السابق قاسم الأعرجي أن عقد أكثر من اجتماع مع السفير الأوكراني لبحث ملف عراقيين تطوعوا للقتال إلى جانب روسيا، بعد انتشار مقاطع مصورة لهم يناشدون الحكومة إعادتهم إلى العراق، من دون أن يعلن في أي وقت عن وجود عراقيين يقاتلون إلى جانب أوكرانيا.
ويرى مراقبون أن إطلاق اتهامات بهذا المستوى من دون عرض أدلة أو تفاصيل تحقيقية كافية يمنح الرواية الرسمية مساحة واسعة للتشكيك، خصوصاً عندما تتحول إلى مادة للسخرية في الداخل، وإلى أزمة دبلوماسية في الخارج.