واشنطن - سدن
منذ أن أصبح جي دي فانس نائباً للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لم يعد السؤال يدور حول ذكائه أو طموحه السياسي، بل حول هويته الحقيقية.
فهل هو المحافظ الشعبوي القادم من جبال الأبلاش كما قدم نفسه في كتابه الشهير Hillbilly Elegy أم خريج كلية الحقوق في ييل والمثقف الذي كان يهاجم ترامب قبل سنوات؟ أم أنه مجرد وريث سياسي يحاول ارتداء عباءة ترامب حتى لو اضطر إلى تغيير مواقفه بالكامل؟
هذا هو السؤال الذي يطرحه الكاتب الأمريكي توماس إدسال في مقال مطول بصحيفة نيويورك تايمز، محاولاً تفسير ما يصفه بـ(أزمة الأصالة) التي تلاحق الرجل الأقرب اليوم إلى تمثيل الحزب الجمهوري في انتخابات 2028.
رجل بعدة وجوه
يرى المقال أن فانس يتحرك بين شخصيات متعددة يصعب جمعها في صورة واحدة، فهو يتحدث أحياناً بلهجة ابن الريف الفقير، ثم يتحول إلى منظر سياسي، ويقدم نفسه مرة كداعية لعدم خوض الحروب، ثم يستخدم لغة شديدة في التهديد ضد خصوم الولايات المتحدة.
هذا التبدل المستمر، بحسب عدد من أساتذة العلوم السياسية الذين استند إليهم المقال، جعله يبدو كسياسي يختار شخصيته وفق الجمهور الذي يقف أمامه، لا وفق قناعات ثابتة.
شبح تصريح 2016
المشكلة التي لا تزال تطارد فانس هي تصريحه الشهير عام 2016، عندما وصف ترامب في رسالة خاصة بأنه يتردد بين اعتباره (نسخة ساخرة من نيكسون) أو (هتلر أمريكا).
ورغم تحوله لاحقاً إلى أكثر المدافعين عن ترامب، يرى منتقدوه أن هذا التحول السريع يثير شكوكاً حول مدى صدق مواقفه الحالية.
وبحسب المقال، فإن ترامب نفسه لا يبدو منزعجاً من هذه التحولات، بل قد يعتبرها دليلاً على الولاء، لكن جمهور الحزب الجمهوري قد ينظر إليها بصورة مختلفة.
تصريحات أشعلت معركة داخل الجمهوريين
الجدل الأكبر انفجر بعد مقابلة مطولة أجراها فانس مع الإعلامي جو روغان، فخلال الحوار، اتهم شخصيات داخل الحكومة الإسرائيلية بمحاولة التأثير على السياسة الأمريكية تجاه إيران، كما تحدث عن وجود علاقات بين جيفري إبستين وأجهزة استخبارات أمريكية وإسرائيلية.
هذه التصريحات فجرت موجة انتقادات من شخصيات محافظة وصحف مؤيدة لإسرائيل، وصلت إلى حد اتهامه باستخدام إيحاءات معادية لليهود، بينما طالب بعض الكتاب ترامب بالنأي بنفسه عن هذه التصريحات.
ويرى المقال أن المشكلة لم تكن فقط في مضمون كلام فانس، بل في طريقته في اختيار الألفاظ، التي بدت، بحسب منتقديه، غير مدركة لحساسية هذا الملف داخل السياسة الأمريكية.
الذكي الذي يتعمد الظهور بمظهر الساذج
يلفت المقال إلى مفارقة أثارت اهتمام عدد من المحللين.. فالرجل خريج جامعة ييل ويتمتع بقدرات فكرية عالية، لكن كثيراً من تصريحاته الأخيرة بدت في نظرهم، أقرب إلى إثارة الجدل منها إلى النقاش الرصين.
بعض المعلقين اعتبروا أنه يتعمد مخاطبة القاعدة الشعبوية بلغة مبالغ فيها، حتى وإن بدت أحياناً غير منطقية أو مستفزة، في محاولة لإثبات أنه قادر على وراثة الأسلوب السياسي الذي صنع شعبية ترامب.
داخل الفقاعة الجمهورية
ورغم الضجة الإعلامية، لا يزال فانس يتصدر استطلاعات الرأي الخاصة بالمرشحين الجمهوريين لانتخابات 2028، متقدماً بفارق مريح على منافسيه داخل الحزب.
لكن المقال يشير إلى أن معظم هذا التأييد يأتي من داخل القاعدة الجمهورية الصلبة، بينما تبدو صورته أضعف كثيراً لدى المستقلين والديمقراطيين، وهو ما قد يتحول إلى نقطة ضعف إذا وصل إلى الانتخابات العامة.
المقال المهم، لا يناقش سياسات جي دي فانس بقدر ما يناقش شخصيته السياسية، فالكاتب يحاول الإجابة عن سؤال بسيط: هل يستطيع سياسي أن يغير مواقفه وهويته أكثر من مرة، ثم يقنع الناخبين بأنه يتحدث دائماً من منطلق قناعة؟
وفي الوقت الذي نجح فيه ترامب في إقناع أنصاره بأنه يقول ما يؤمن به، حتى عندما يثير الجدل، يرى صاحب المقال أن فانس لم ينجح بعد في تجاوز معضلة (الأصالة)، إذ يبدو، في نظر كثير من منتقديه، وكأنه يقلد ترامب أكثر مما يجسد نفسه.
وبالنسبة للجمهوريين، قد يكون ذلك كافياً للفوز بالترشيح.. أما بالنسبة للناخب الأمريكي الأوسع، فالسؤال سيظل مطروحاً حتى عام 2028: من هو جي دي فانس حقاً؟