ليس مسرح الرباط الملكي مجرد مبنى ترفع داخله الستارة، فالمسرح نفسه يبدو عرضاً معمارياً قائماً بذاته، وأحد الفصول الأخيرة في مسيرة المعمارية العراقية ـ البريطانية زها حديد، التي رحلت عام 2016 قبل أن ترى المشروع مكتملًا ومفتوحاً أمام الجمهور.
على ضفة نهر أبي رقراق، بين الرباط ومدينة سلا، يرتفع المبنى الأبيض كأنه موجة خرجت من الماء، ثم اتسعت وارتفعت فوق قاعات العرض، قبل أن تنحني باتجاه المدخل الرئيسي.
ومن الخارج، لا يبدو المسرح كتلة هندسية ثابتة، بل حركة متواصلة من الانحناءات والارتفاعات والانخفاضات، وكأن المبنى لم يُبنَ فوق الأرض، وإنما تشكل تدريجياً بفعل الماء والرياح.
أما في الداخل، فتتواصل المسرحية المعمارية.
ممرات تشبه الأودية، وسلالم متقاطعة كالأشرطة تصعد بين جدران ترتفع أربعة طوابق، وشرفات تنفتح على قاعة عرض أقرب إلى جوهرة صخرية مجوفة، فيما تنحدر المساحات الداخلية نحو مدرج خارجي ضخم يطل على النهر.
هنا، لا تبقى السينوغرافيا محصورة فوق الخشبة، بل تمتد إلى كل زاوية في المبنى.
مشروع ملكي أعاد فتح جرح قديم
بدأت قصة المسرح عام 2010، عندما دعا العاهل المغربي الملك محمد السادس زها حديد شخصياً إلى تصميم مسرح جديد في العاصمة.
كانت زها قد قدمت قبل ذلك تصوراً جريئاً لمسرح في الدار البيضاء، لكنها خسرت المسابقة أمام المعماري الفرنسي كريستيان دو بورتزامبارك.
أُعجب الملك محمد السادس بالمشروع الأصلي، وأراد أن يُنفذ في الرباط، لكن زها أقنعته بأن الموقع الجديد يحتاج إلى تصميم مختلف، يستجيب لطبيعة وادي أبي رقراق، ويقيم صلة معمارية بين الرباط وسلا.
بالنسبة إلى زها، حملت الدعوة المغربية معنى شخصياً يتجاوز مجرد الحصول على مشروع كبير.
قبل نحو عشرين عاماً، كانت قد تعرضت لواحدة من أقسى التجارب في مسيرتها، عندما فازت بمسابقة تصميم دار أوبرا كارديف في ويلز، ثم خسرت المشروع، قبل أن تعود وتفوز به في جولة جديدة، ثم يُسحب منها مرة أخرى.
كانت في الخامسة والأربعين، وكان المشروع قادراً على نقلها مبكراً إلى الصف الأول عالمياً، لكن تصميمها الزجاجي الحاد وُوجه باعتراضات واسعة، لم تقتصر على الشكل المعماري، بل اختلطت فيها المحافظة الثقافية بالنظرة إلى معمارية عراقية مهاجرة جاءت بفكرة كونية إلى مدينة شديدة التمسك بتراثها.
زها رأت فيما جرى يومها مقاومة وتمييزاً، وتوقفت العروض عن الوصول إليها، حتى إنها فكرت في مغادرة بريطانيا.
لذلك، يرى مدير متحف التصميم في لندن سابقاً ديان سودجيتش أن مسرح الرباط يمكن النظر إليه بوصفه انتصاراً متأخراً، أو تبريراً معمارياً جاء بعد رحيلها، وأثبت أن الأفكار التي رُفضت في كارديف أصبحت لاحقاً من أبرز علامات العمارة المعاصرة.
افتتاح يجمع فيردي والطرب الأندلسي
افتُتح المسرح رسمياً في 22 نيسان، بحضور الأميرة للا خديجة، ابنة الملك محمد السادس، والأميرتين للا مريم وللا حسناء، شقيقتي الملك، إلى جانب سيدة فرنسا الأولى بريجيت ماكرون.
وجمع الحفل الافتتاحي بين موسيقى تشايكوفسكي وفيردي، والأغاني العربية الأندلسية، ومؤلفات عازف العود المغربي إدريس الملومي.
كان البرنامج نفسه إعلاناً مبكراً عن هوية المسرح، الذي يريد تقديم الموسيقى المغربية والعربية والأفريقية إلى جانب الريبرتوار العالمي، من دون أن يتحول إلى صرح مغلق على النخبة أو على لون فني واحد.
عمارة مغربية بروح مستقبلية
يُعرف المغرب بعمارته الأندلسية والمغاربية، وبالزخارف الجصية المعقدة، والفسيفساء، والأنماط الهندسية المتكررة.
لكن مسرح الرباط اختار التعبير عن المغرب الحديث، لا عبر تقليد الماضي، وإنما بإعادة تفسيره بأدوات القرن الحادي والعشرين.
اعتمد المشروع على برمجيات متطورة للتصميم والبناء ثلاثي الأبعاد، بعضها مطور أصلاً لصناعة أفلام الرسوم المتحركة، ما أتاح للمعماريين والمقاولين تنفيذ منحنيات بالغة التعقيد، كان بناؤها شبه مستحيل قبل عقود قليلة.
كما استُخدمت ألواح من الخرسانة المسلحة بالألياف الزجاجية، يمكن تشكيلها كما يُشكَّل بدن القارب، لتغليف السطح الخارجي للمبنى ومنحه انسيابيته المتصلة.
هذا الحل تجاوز مشكلات واجهتها بعض مباني زها السابقة، ومنها دار الأوبرا في مدينة غوانغجو الصينية، حيث لم تتطابق الألواح الحجرية المسطحة بصورة كاملة مع انحناءات السقف، وسقط بعضها لاحقاً.
في الرباط، أصبح الغلاف الخارجي أكثر التصاقاً بالشكل، وأقرب إلى جلد متصل يكسو المبنى بدلاً من أن يكون مجرد كسوة تضاف إليه.
نهر يتحول إلى مبنى
لم يكن نهر أبي رقراق مجرد خلفية للمشروع.
النهر الذي يصب في المحيط الأطلسي يتأثر بحركة المد والجزر، وقد ينعكس اتجاه تدفقه، وهي حركة ألهمت زها في رسم هيئة المسرح.
تظهر اسكتشاتها الأولى كيف أثرت المياه المحيطة بالموقع في شكل المبنى.
تبدأ الكتلة من الجهة الجنوبية الشرقية كموجة رفيعة ترتفع من أرض كانت مستنقعاً، ثم تتسع وتتضخم وتنقسم، قبل أن تبلغ ذروتها فوق القاعة الرئيسية وبرج خشبة المسرح، ثم تهبط تدريجياً نحو المدخل.
في تلك النقطة، تلتقي الموجة بانحناء آخر، فيدخل الزائر إلى المبنى وسط ما يشبه اضطراباً مائياً مجمداً.
ووصف مدير المشروع نيلز فيشر التصميم بأنه محاولة لترجمة حركة الماء إلى عمارة، لا عبر زخرفة خارجية، بل من خلال تشكيل المبنى نفسه.
الداخل ليس أقل إثارة
حين رأت آنا غلاس، المديرة التنفيذية لمسرح الرقص في هارلم، المبنى للمرة الأولى، قالت إن المشهد أفقدها القدرة على الكلام، وشبهت الإحساس باللحظة الأولى في لعبة سريعة داخل مدينة ملاهٍ، حين يتوقف القلب للحظة قبل أن يدفع الفضول صاحبه إلى الاستمرار.
يدخل الزائر تحت موجة منحنية تشبه نفقاً مائياً، ثم يسير عبر ردهات عالية كالأخاديد، تتخللها السلالم والجسور والمساحات المتقاطعة.
ويمتد ممر داخلي مستوحى من النهر من المدخل إلى قلب المبنى، ثم ينحدر باتجاه المدرج المكشوف المطل على أبي رقراق.
لا يكاد يوجد خط مستقيم أو زاوية قائمة.
الجدران تميل، والأسقف تنحني، والسلالم تتلوى، وحتى الحانات والمقاهي صُممت بأشكال انسيابية، إلى درجة أن آلات القهوة المعدنية تبدو من بين الأشياء القليلة التي تحتفظ بزواياها التقليدية.
الهدف لم يكن استعراضاً بصرياً فقط، بل إدخال الجسد في تجربة تشبه المرور داخل تضاريس طبيعية، حيث لا يرى الزائر المكان من نقطة واحدة، وإنما يكتشفه أثناء الحركة.
قاعة تحتضن الجمهور والفنان
تتسع القاعة الرئيسية لنحو 1800 متفرج، وصُممت على شكل حدوة حصان، لتكون واسعة من دون أن تفقد الإحساس بالحميمية.
وتقول آنا غلاس إن الفنان حين يقف على الخشبة يشعر بأن الجمهور يحيط به ويحتضنه، بدلاً من أن يبقى بعيداً في نهاية قاعة طويلة.
وترى أن هذا القرب قد يدفع الراقصين إلى تقديم أداء أكثر حيوية، لأنهم يشعرون بأنهم يتلقون الطاقة مباشرة من الجمهور ويرغبون في ردها.
أما الشرفات، فجاءت في مستويات متكسرة ومتداخلة، تستلهم المقرنصات المعروفة في العمارة الإسلامية، وهي العناصر التي تشبه الهوابط أو الخلايا المتراكبة داخل القباب والمداخل.
لكن زها لم تنقل المقرنصات بصورتها التقليدية، بل حولتها إلى تكوينات حديثة تلتف حول القاعة، وتمنحها هيئة تشبه البلورة أو الجيود الصخري.
جمال لا يأتي على حساب الوظيفة
كثير من المباني المعمارية الاستعراضية تُتهم بأنها تقدم الشكل على حساب الاستخدام، لكن القائمين على المسرح يقولون إن المشروع اجتاز الاختبار العملي.
أليكس بوتس، المدير الفني لمركز “ذا شيد” في نيويورك، تفقد المبنى عند الافتتاح، ووجد أن الخشبة تملك أجنحة واسعة، ومساحات خلفية كافية، ومخازن للمعدات، وغرفاً مريحة للفنانين، فضلاً عن صوتيات وصفها بالممتازة.
وهذا الجانب مهم، لأن قاعات الأوبرا والحفلات مطالبة أولاً بعزل الصوت وضبطه، لا بتقديم واجهة جميلة فقط.
لكن زها لم تكتفِ ببناء صندوق صوتي محكم، بل حاولت تحويل هذا الصندوق إلى تجربة بصرية وحسية تبدأ قبل الجلوس في المقاعد.
خمسة أعوام بعد رحيل زها
زارت زها حديد الموقع عام 2010 برفقة شريكها باتريك شوماخر ومدير المشروع نيلز فيشر.
بدأ البناء في 2014، واكتمل في 2021، أي بعد خمس سنوات من وفاتها.
ورغم أن المشروع أنجز بعد رحيلها، يؤكد سودجيتش أنه يحمل بصمتها الأصيلة بوضوح، ويقدم دليلاً جديداً على قوتها المعمارية.
لكن افتتاحه تأخر مرات عدة.
فقد فرضت جائحة كورونا تأجيلاً أول، ثم جاءت مشكلات سلاسل التوريد الخاصة بالمعدات المسرحية، وبعدها زلزال المغرب المدمر عام 2023، ليبقى المبنى مغلقاً لسنوات، محاطاً بالحواجز، بينما يراقبه سكان الرباط والسياح من بعيد.
170 مليون دولار بين مدينتين
تبلغ مساحة المسرح نحو 290 ألف قدم مربعة، ووصلت كلفته إلى 170 مليون دولار.
واختير موقعه بعناية، ليكون حلقة وصل بين الرباط وسلا، المدينتين اللتين يفصل بينهما النهر، وظلتا تاريخياً متجاورتين من دون أن تكون الصلة العمرانية بينهما مكتملة.
ويقع المشروع أسفل الهضبة التي تضم ضريح محمد الخامس والحسن الثاني.
وقد اشترط الملك محمد السادس ألا يتجاوز ارتفاع المسرح قاعدة الهضبة، حتى لا ينافس الضريح بصرياً أو يطغى على مكانته في المشهد العمراني.
لذلك، جاءت كتلة المبنى ممتدة وأفقية في معظمها، رغم ارتفاعها الكبير فوق القاعة الرئيسية.
منصة للمغرب وأفريقيا
يرى المدير الفني للمسرح، إبراهيم المازني، أن المشروع جزء من رؤية مغربية أوسع تعتبر الثقافة والصناعات الإبداعية محركاً للتنمية، ووسيلة لتعزيز الحضور المغربي في أفريقيا والعالم.
ويطمح المسرح إلى أن يصبح منصة للموسيقى والرقص والمسرح المغربي والعربي والأفريقي، إلى جانب العروض الدولية.
كما لن يغيب عنه الفن الجماهيري الغربي، إذ يستضيف في 29 تشرين الأول عرضاً حياً مخصصاً لأغنيات مايكل جاكسون بعنوان “This Is Michael”.
ويتزامن افتتاح المسرح مع مشروع ثقافي آخر يجري إنشاؤه وسط الرباط، هو “متحف القارة”، الذي يُراد له أن يكون مركزاً بان ـ أفريقياً واسعاً.
الرباط تدخل خريطة المدن الثقافية
ينضم مسرح الرباط إلى فئة محدودة من المباني التي لم تُنشأ لتقديم الفن فقط، وإنما لوضع المدينة نفسها على الخريطة الثقافية الدولية.
ومن أبرز هذه الأمثلة متحف غوغنهايم في بلباو الذي صممه فرانك غيري، ودار الأوبرا في سيدني، وأوبرا أوسلو.
هذه الأبنية تتحول إلى وجهات سياحية مستقلة، ويذهب إليها الناس لرؤية العمارة قبل حضور المعارض أو العروض.
وبحسب إدارة المسرح، يُعد مجمع الرباط واحداً من أكبر منشآت الفنون الأدائية في أفريقيا والشرق الأوسط من حيث الحجم وتنوع المساحات.
وتحمل عودة فرقة مسرح الرقص في هارلم إلى القارة الأفريقية عبر الرباط دلالة خاصة، إذ ستكون المرة الأولى التي تقدم فيها عروضاً في أفريقيا منذ تسعينيات القرن الماضي، عندما زارت جنوب أفريقيا بدعوة من نيلسون مانديلا.
عودة ثقافية لابنة بغداد
بالنسبة إلى زها حديد، لم يكن المشروع المغربي محطة مهنية فقط، بل عودة ثقافية إلى فضاء شعرت دائماً بأنها تنتمي إليه.
درست الرياضيات في الجامعة الأميركية في بيروت، وعاشت معظم حياتها في المهجر العراقي، وكانت تزور المغرب لقضاء العطلات.
ورغم شهرتها منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي، فإن الدول العربية لم تبدأ بمنحها مشروعات كبيرة إلا بعد مطلع الألفية، عقب حصولها على جائزة بريتزكر وتنفيذها مشاريع ناجحة، خصوصاً في الصين.
ثم جاءت اضطرابات الربيع العربي لتوقف عدداً من المشاريع، قبل أن تبدأ موجة جديدة من التكليفات.
واليوم، يوجد أكثر من ستة مبانٍ صممتها زها، أو بدأ العمل عليها في حياتها، واكتملت أو يجري تنفيذها بعد وفاتها في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، تحت قيادة باتريك شوماخر.
الفضاء المهيب خارج الدين
على مدى قرون، وضع المعماريون أعظم طموحاتهم داخل الكنائس والمساجد والكاتدرائيات، لأن تلك المباني كانت مطالبة بإثارة الخشوع ورفع الإنسان خارج يومه العادي.
وزها نفسها قالت مرة إن البشر ظلوا دائماً يطمحون إلى ابتكار فضاءات تمنحهم هذا الشعور، وإن الدخول إلى مكان عظيم ومهيب يمكن أن يكون تجربة رافعة للروح.
مسرح الرباط مبنى مدني وعلماني، لكنه يحمل القدرة نفسها على نقل الجمهور إلى زمان ومكان متخيلين.
فزها لم تترك الدهشة خلف الستارة، ولم تحصرها في ما يقدمه الممثلون والموسيقيون على الخشبة.
لقد وزعتها على المبنى كله: في الموجة التي تحمي المدخل، وفي السلالم التي تصعد بين الجدران، وفي الضوء المتدفق من الأعلى، وفي القاعة التي تحيط بالجمهور، وفي النهر الذي تحوّل إلى عمارة.
لهذا، يبدو مسرح الرباط الملكي واحداً من أكثر أعمالها الأخيرة اكتمالاً، وعودةً متأخرة لمعمارية عراقية إلى عالم عربي أحبته، ومنحها في النهاية المساحة التي احتاجتها لتثبت أن الخيال، حين يجد التقنية والإرادة، يمكن أن يتحول إلى حجر.