واشنطن - سدن
على مدى أكثر من ثلاثة عقود، كانت الكويت تمثل إحدى أكثر قصص الشراكة العسكرية نجاحاً بين الولايات المتحدة ودول الخليج، فمنذ أن قادت واشنطن التحالف الدولي لتحريرها من الغزو العراقي عام 1991، تحولت الإمارة الصغيرة إلى أحد أهم المراكز العسكرية الأميركية خارج الأراضي الأميركية، ومخزن استراتيجي للقوات والأسلحة، ونقطة انطلاق للعمليات في العراق وأفغانستان وسوريا والخليج.
لكن الحرب الأخيرة مع إيران وضعت هذه المعادلة أمام اختبار لم تعرفه منذ انتهاء حرب الخليج.
تقرير نشرته (وول ستريت جورنال) يكشف أن وزارة الدفاع الأميركية تعيد النظر في حجم وجودها العسكري داخل الكويت، ليس بسبب تراجع أهمية العلاقة الثنائية، بل لأن الحرب أثبتت أن القواعد الأميركية نفسها أصبحت جزءاً من بنك الأهداف الإيراني، وأن الدولة التي كانت تعد الأكثر أمناً في الخليج تحولت فجأة إلى ساحة تتلقى الصواريخ والطائرات المسيّرة.
من قاعدة آمنة إلى هدف مباشر
وفق التقرير، لم تستهدف إيران القواعد الأميركية فقط، بل وسعت بنك أهدافها ليشمل البنية التحتية الكويتية نفسها.
محطات الكهرباء، ومحطات تحلية المياه، والمطار الدولي، والميناء البحري، وحتى صادرات النفط عبر مضيق هرمز، دخلت جميعها دائرة الاستهداف.
ورغم نجاح منظومات الدفاع الأميركية في اعتراض معظم الصواريخ، فإن ذلك لم يمنع سقوط قتلى أميركيين، كما لم يمنع وصول رسالة إيرانية واضحة مفادها أن أي دولة تستضيف قوات أميركية قد تصبح جزءاً من الحرب.
وهنا تكمن المفارقة.. فالوجود العسكري الأميركي، الذي كان طوال ثلاثين عاماً مصدر اطمئنان للكويت، أصبح في الوقت نفسه سبباً يجعلها هدفاً مباشراً في أي مواجهة إقليمية.
مراجعة لا تعني الانسحاب
التقرير لا يتحدث عن انسحاب أميركي من الكويت، بل عن مراجعة لطبيعة الانتشار العسكري، فالبنتاغون، بحسب مسؤولين أميركيين، كان يدرس أصلاً تقليص قواته قبل اندلاع الحرب، ثم جاءت الضربات الإيرانية لتسرّع هذا النقاش.
والسؤال لم يعد: هل تبقى الولايات المتحدة في الكويت؟ بل أصبح: هل تحتاج واشنطن إلى هذا الحجم الكبير من القوات الدائمة، في زمن تستطيع فيه إدارة عملياتها من قواعد متعددة وبقدرات بعيدة المدى؟
إنها مراجعة عسكرية أكثر منها سياسية.. فالولايات المتحدة تغير منذ سنوات فلسفة انتشارها في الشرق الأوسط، مفضلةً قواعد أصغر وأكثر مرونة، يصعب استهدافها بضربة واحدة.
قلق كويتي مفهوم
في المقابل، تبدو الكويت أكثر تمسكاً بالشراكة مع الولايات المتحدة، فالقيادة الكويتية سارعت إلى التأكيد أن التعاون الدفاعي مع واشنطن مستمر، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن البيئة الأمنية تغيّرت جذرياً، ولذلك بدأت الكويت بالفعل بتوسيع خياراتها الدفاعية، من خلال توقيع اتفاقية تعاون عسكري مع باكستان، مع السعي للحصول على منظومات دفاع جوي أكثر تطوراً من الولايات المتحدة وشركاء آخرين، ولا يعني ذلك استبدال واشنطن، بل تقليل الاعتماد على شريك واحد في زمن أصبحت فيه التهديدات أكثر تعقيداً.
إيران تغير قواعد اللعبة
الأخطر في التقرير ليس الحديث عن القواعد الأميركية، بل عن الطريقة التي تفكر بها إيران، فبدلاً من مهاجمة القوات الأميركية وحدها، وسعت طهران دائرة الضغط لتشمل البنية التحتية المدنية للدول الخليجية.
الكهرباء والمياه والمطارات والموانئ أصبحت أهدافاً عسكرية، وهذا تطور استراتيجي بالغ الخطورة، لأنه يحول أي حرب مستقبلية إلى مواجهة تمس حياة المدنيين بشكل مباشر، حتى في الدول التي لا تشارك فعلياً في القتال.
هل يتكرر النموذج في الخليج؟
إذا خلصت واشنطن إلى أن الوجود العسكري الضخم في الكويت لم يعد الخيار الأمثل، فمن الصعب تصور أن يبقى هذا النقاش محصوراً بالكويت وحدها.
المنطق نفسه قد يمتد مستقبلاً إلى قواعد أخرى في الخليج، مع إعادة توزيع القوات على مواقع متعددة، وزيادة الاعتماد على القدرات البحرية والجوية، بدلاً من التجمعات العسكرية الكبيرة.
وبذلك قد تكون الحرب مع إيران بداية مرحلة جديدة في الوجود العسكري الأميركي بالمنطقة، لا نهايته.