واشنطن - سدن
في مدينةٍ تقوم على صناعة الأحلام، اختارت عليا شوكت أن تبحث عن شيء آخر تماماً، فهي لا تريد أن تكون نجمةً لامعة بالمعنى التقليدي، ولا تحلم بأدوار الأبطال الخارقين، ولا تقيس نجاحها بعدد الأفلام التجارية التي تشارك فيها، بل تؤمن أن الفن الحقيقي يولد من الأماكن المربكة، ومن الشخصيات الغريبة، ومن القصص التي يخاف المنتجون من تمويلها.
لهذا السبب، عندما طلبت صحيفة (فايننشال تايمز) لقاءها، لم تحدد مطعماً فاخراً في بيفرلي هيلز، ولا استوديو تصوير في هوليوود، بل اختارت (جمعية البحوث الفلسفية) في لوس أنجلوس، وهي مؤسسة تأسست في ثلاثينيات القرن الماضي وتعنى بالفلسفة والروحانيات والعلوم الباطنية، حتى إن البعض يصفها مازحاً بأنها (ليست طائفة دينية… لكنها تبدو كذلك).
هروب من هوليوود… نحو المكان الأبطأ
وصلت عليا متأخرة قليلاً إلى الموعد، لكنها سرعان ما أخذت الحديث بعيداً عن السينما.. تكلمت عن نيويورك، والفن، والوقت الذي يبدو متجمداً في لوس أنجلوس، بعد أشهر أمضتها على خشبة المسرح في نيويورك، وتقول إنها تشعر بأنها فقدت إحساسها بنفسها بعد العودة "أنظر إلى خزانة ملابسي وأتساءل: من هذه المرأة؟ ربما أستيقظ منتصف الليل وأقص شعري".
هذه الجملة وحدها تلخص شخصيتها، فهي لا تخشى التغيير، بل تكاد تبحث عنه عمداً.
من طفلة في التلفزيون إلى ممثلة لا يمكن تصنيفها
بدأت شوكت التمثيل وهي في التاسعة من عمرها، واشتهرت عالمياً بدور مايبي فونكه في المسلسل الكوميدي الشهير Arrested Development، لكنها بعد ذلك رفضت أن تبقى أسيرة شخصية واحدة.
خلال أكثر من عشرين عاماً تنقلت بين: السينما المستقلة، المسرح، الأعمال التلفزيونية، الرسم التشكيلي، الكتابة.
أما أبرز أدوارها بعد الطفولة، فكان في مسلسل Search Party، حيث جسدت شخصية فتاة ضائعة تتحول حياتها إلى هوس بالبحث عن امرأة مفقودة، في عمل اعتبره كثير من النقاد أحد أذكى الأعمال الساخرة عن جيل الألفية.
لوس أنجلوس مدينة الأحلام الميتة
داخل مكتبة الجمعية الفلسفية، كانت الكتب تتناول الأحلام والكيمياء القديمة والأديان المقارنة، هناك قالت جملة لافتة: "لوس أنجلوس مليئة بالأحلام التي سقطت على الأرض وتحولت إلى غبار".
وترى أن المدينة أصبحت مهووسة بالجديد دائماً، بينما المكان الذي اختارته يحمل شيئاً من التاريخ، ومن الإيمان بأن الحياة ليست مجرد محاولة لتصبح نجماً سينمائياً.
فيلم جديد مع كريستن ستيوارت وكوميديا لم تصنع من قبل
تستعد شوكت لعرض فيلمها الجديد The Wrong Girls، إلى جانب كريستن ستيوارت.. الفيلم عبارة عن كوميديا خيال علمي تدور حول صديقتين تكتشفان مخدراً تجريبياً يقودهما إلى سلسلة من المغامرات السريالية داخل لوس أنجلوس، وتصفه بأنه يشبه أفلام أواخر التسعينيات.
لكنها تشير إلى نقطة أخرى: "لا توجد تقريباً أفلام كوميدية عن فتيات مدمنات للحشيش".
ثم تضيف بسخرية: "مجرد أن تكون البطولة نسائية يصبح الفيلم سياسياً تلقائياً.. كأن فكرة أن فتاة تدخن الحشيش حدث سياسي".
لماذا أحببت الفيلم؟ تقول إن أكثر ما جذبها هو أنها استطاعت أن تكون: حمقاء، مهرجة، وغير جميلة بالمعنى التقليدي.
وتضيف: "ليست هناك فرص كثيرة لكي تكون غبياً ومضحكاً دون أن تقلق بشأن الحفاظ على صورة جميلة ومثالية.
كاتبة الفيلم ديلان ماير، زوجة كريستن ستيوارت، وصفتها بأنها من أفضل الممثلات الكوميديات في جيلها، وقالت إن إحساسها بالتوقيت الكوميدي جعل النكات تبدو أفضل حتى مما كانت مكتوبة.
الأمومة غيرت كل شيء
اليوم أصبحت عليا شوكت أماً لطفل صغير، وتقول إن الأمومة جعلتها أكثر انتقائية، في الماضي كانت توافق على أي مشروع يبدو مغامرة، أما الآن فتقول: "كنت أقول: أسبوع في المغرب؟ لماذا لا؟ أما اليوم: لن أذهب حتى إلى سانتا كلاريتا إذا لم يكن هناك سبب حقيقي".
كل سبع سنوات تتغير حياتي
تؤمن عليا بفكرة أن الإنسان يتغير جذرياً كل سبع سنوات تقريباً، وترى أن جائحة كورونا أصبحت بعيدة بما يكفي لتدرك حجم التغير الذي أحدثته فيها. وتقول: "لن أختار عملاً لأنني أخاف ألا أعمل مجدداً.. بل سأختار ما يبدو مجنوناً.. وما أعرف أن علي فعله".
الجذور العراقية
أحد أكثر أجزاء الحوار إثارة كان حديثها عن والدها العراقي، فوالدها هاجر من العراق إلى الولايات المتحدة، ثم أسس ملهى للتعري، وتحول ذلك إلى مصدر دخل العائلة، أما والدتها الأميركية فعملت معه لفترة قبل أن تتفرغ لتربية الأبناء، وتصف نفسها بأنها كانت طفلة مشاكسة، وفي سنوات المراهقة بدأت تدخين الحشيش، والذهاب إلى حفلات موسيقى الجراج، والتسلل من المنزل.
عندما أصبح نادي التعري جزءاً من طفولتها
تكتب عليا حالياً فيلماً عن عائلتها، القصة تدور حول فنانة فاشلة تنشأ علاقة مع إحدى الراقصات في نادي والدها العراقي، لكن المنتجين، كما تقول، كانوا يصرون دائماً على تحويل الأب العراقي إلى مجرم.
كانت الملاحظات تتكرر: (ماذا لو قتل الأب الراقصة؟)، فتجيبهم: "لا.. والدي رجل طيب جداً".
وهذا بالنسبة لها مثال على الصور النمطية التي ما زالت تلاحق الشخصيات العربية في السينما الأميركية.
السؤال الذي لم يفارقها
عندما دخلت نادي والدها لأول مرة وهي في الحادية والعشرين، شاهدته يناقش جداول العمل مع راقصات في عمرها تقريباً، ثم التفت إليها ليسألها عن خطة سفرها.
تقول إن هذا المشهد أربكها، وسألت نفسها: هل قيمة المرأة مرتبطة بجسدها؟ إذا كان هذا المكان يمول حياتنا، فما معنى ذلك؟ لماذا تبدو حياتي مختلفة عن حياة النساء اللواتي يعملن هنا؟ وتقول إنها شعرت بالذنب تجاه تلك المفارقة.
الأب العراقي والأم الفنانة
تصف عليا والدتها بأنها تحلل كل تفصيل نفسي في أي عمل فني، أما والدها العراقي، فكان عملياً جداً، فبعد أن شاهد إحدى مسرحياتها في نيويورك، جلست الأم تناقش معها معنى الحزن والشفاء في النص.
أما الأب فلم يسأل إلا سؤالاً واحداً: "يعني.. تبكين كل ليلة"؟
ثم تضيف ضاحكة إنه ما زال يتمنى أن تعمل في أحد أفلام مارفل، ويقول لها دائماً: "كل هذا الفن جميل.. لكنه لا يدفع الفواتير".
أزمة هوليوود الجديدة
تعتقد عليا أن السينما الأميركية تمر بأزمة حقيقية، فالأفلام المتوسطة الميزانية، التي كانت تصنع النجوم سابقاً، أصبحت تذهب إلى أكبر الأسماء فقط، وترى أن النساء هن الأكثر تضرراً.
وتقول إن المخرجات الشابات لا يحصلن على الفرص إلا بعد سنوات طويلة، بينما تضيع القصص التي كان يمكن أن يقدمنها في العشرينات من أعمارهن.
وتختم هذه الفكرة بعبارة واضحة: "علينا أن نستمر في تمويل الأشياء الغريبة.. لأن الناس هي التي تستجيب لها".
الرسم.. المكان الذي تهرب إليه
بعيداً عن التمثيل، تعتبر شوكت أن الرسم هو ملاذها الحقيقي، وقدمت مؤخراً معرضاً فنياً في نيويورك ضم لوحات رسمتها خلال خمس سنوات، وتقول إن عرض اللوحات كان أصعب عليها من عرض فيلم جديد، لأن اللوحة، بحسب وصفها، تشبه اختبار "روشاخ"، حيث يرى كل شخص فيها شيئاً مختلفاً.
لماذا تحب البطء؟
في نهاية اللقاء توقفت أمام رسومات قديمة داخل الجمعية، وقالت إنها تفتقد شيئاً في السينما الحديثة، فكل شيء يجري بسرعة: البروفة.. التصوير.. انتقال للمشهد التالي، أما الرسامون القدماء فكانوا يقضون سنوات في لوحة واحدة.
وتقول: "ربما في اليوم المئة يحدث شيء مجنون داخل العمل الفني.. لكنه لن يحدث إذا لم تمنح نفسك الوقت".
مشهد هوليوودي لا يحدث إلا في لوس أنجلوس
قبل جلسة التصوير، ظهر رجل يحمل حقيبة مليئة بـ1400 بطاقة تاروت، كان يعمل سابقاً في الدعاية السينمائية، ثم ترك الصناعة واتجه لقراءة التاروت بعد تجارب غريبة عاشها أثناء تصوير أفلام رعب.
استمعت عليا إلى قصته بإعجاب شديد، وقالت: "يا لها من قصة رائعة".
ثم تحولت المحادثة فجأة إلى موضة جديدة في هوليوود: إجراء تصوير كامل للجسم بالرنين المغناطيسي بحثاً عن أي أورام محتملة، رغم أن تكلفة الفحص تصل إلى آلاف الدولارات.
ضحكت شوكت، وأخرجت هاتفها، وبدأت تحجز موعداً للفحص، ثم نظرت إلى الجميع، وإلى حقائب التاروت المنتشرة حولها، وقالت ساخرة: يا لها من لحظة لوس أنجلوس بامتياز.
في المحصلة..
لا تبدو عليا شوكت معنية بصناعة صورة نجمة هوليوودية مثالية، بقدر اهتمامها بصناعة هوية فنية خاصة بها، فالممثلة الأميركية ذات الجذور العراقية اختارت، منذ سنوات، الابتعاد عن المسار التجاري المضمون، مفضلة الأعمال المستقلة، والمسرح، والرسم، وكتابة السيناريو، حتى وإن كان ذلك يعني شهرة أقل وعوائد مالية أدنى.
ويلفت الحوار أيضاً إلى حضور الهوية العراقية في حياتها، كجزء من ذاكرتها العائلية اليومية، فهي تدافع عن صورة والدها العراقي في مواجهة القوالب الجاهزة التي يحاول بعض المنتجين فرضها على الشخصيات العربية، وتقدم قصة أكثر تعقيداً وإنسانية من الصورة النمطية المعتادة.
في النهاية، يبدو أن شعار عليا شوكت في الحياة بسيط: إذا لم يكن الخيار مخيفاً قليلاً، فربما لا يستحق أن يخاض.