واشنطن - سدن
بعد ستة أشهر من المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، تلوح للمرة الأولى فرصة حقيقية لإعادة فتح مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم. لكن ما يجري ليس مجرد اتفاق ملاحي، بل تسوية سياسية مؤقتة تعكس موازين القوى الجديدة في الخليج، وتكشف حجم التنازلات التي اضطر إليها الطرفان، مع احتفاظ كل منهما بأوراق ضغط للمراحل المقبلة.
ماذا حدث؟
بحسب (فايننشال تايمز)، فإن مفاوضين إيرانيين وعُمانيين توصلوا إلى اتفاق مبدئي لتنظيم الملاحة في مضيق هرمز، بانتظار المصادقة النهائية من المرشد الإيراني مجتبى خامنئي والمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني.
وفي الوقت نفسه، أعلن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت أن واشنطن قد تتوصل إلى اتفاق مع طهران اليوم أو غداً، يسمح بإعادة فتح المضيق والانتقال إلى مرحلة أقل توتراً.
مجرد هذه التصريحات كان كافياً لإحداث هزة في الأسواق العالمية، إذ انخفض سعر خام برنت بأكثر من 5%، فيما سجل مؤشر S&P 500 أعلى مستوى في تاريخه، في إشارة إلى أن المستثمرين باتوا يراهنون على انحسار خطر الحرب.
ما الذي ينص عليه الاتفاق؟
المقترح لا يعيد الأمور إلى ما كانت عليه قبل الحرب، بل يفرض ترتيبات جديدة لإدارة المضيق.
وفق المعلومات المتداولة:
* تدخل السفن إلى المضيق عبر المياه الإيرانية.
* تغادر عبر ممر يقع بمعظمه داخل المياه العُمانية.
* تتولى إيران في المرحلة الأولى إرسال سفنها وناقلاتها النفطية وناقلات الغاز للتأكد من خلو الممر من الألغام وتأمين سلامته قبل السماح بعودة الملاحة التجارية الكاملة.
بمعنى آخر، تريد طهران أن تكون صاحبة اليد الأولى في إعلان أن المضيق أصبح آمناً.
ماذا ستحصل إيران بالمقابل؟
هذا هو الجزء الأكثر أهمية، إذا دخل الاتفاق حيز التنفيذ، فإن واشنطن ستقدم تنازلين كبيرين:
* رفع الحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية.
* إعادة العمل بالإعفاء الذي يسمح لإيران بتصدير نفطها.
أي أن طهران لا تبحث فقط عن إعادة الملاحة، بل عن استعادة شريانها الاقتصادي الذي تضرر بشدة خلال الأشهر الماضية.
لماذا احتاج الطرفان إلى هذا الاتفاق؟
الولايات المتحدة حققت هدفها العسكري الأساسي بمنع إيران من فرض سيطرة منفردة على المضيق، لكنها تدرك أن استمرار الأزمة يهدد الاقتصاد العالمي وأسعار الطاقة.
أما إيران، فقد اكتشفت أن استخدام هرمز كسلاح ضغط أصبح مكلفاً للغاية بعد الضربات الأمريكية واتساع نطاق المواجهة.
لذلك، وجد الطرفان أن التسوية المؤقتة أقل كلفة من استمرار الاستنزاف.
لكن الاتفاق لا يعني انتهاء الأزمة، فهناك نقطة خلافية قد تنسف كل شيء لاحقاً.
إيران تصر على أن السفن التي تعبر مضيق هرمز يجب أن تدفع مستقبلاً ما تسميه (رسوم خدمات).
في المقابل، ترفض دول الخليج بشكل قاطع تحويل أحد أهم الممرات البحرية في العالم إلى طريق برسوم إيرانية.
وقد طرحت سلطنة عُمان نموذجاً مشابهاً لمضيق ملقا في جنوب شرق آسيا، حيث تبقى الملاحة مجانية، بينما تساهم الدول المستفيدة طوعاً في صندوق مخصص لسلامة الملاحة وحماية البيئة، من دون منح أي دولة حق فرض رسوم عبور.
أين يقف ترامب؟
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بدا واثقاً من قرب التوصل إلى الاتفاق، معلناً أن المرحلة الأولى ستتمثل بإعادة فتح المضيق بالكامل، بينما ستنتقل المرحلة الثانية إلى الملف النووي الإيراني.
بمعنى أن واشنطن ترى اتفاق هرمز بوابة للعودة إلى مفاوضات أشمل، وليس نهاية الصراع.
اللافت في هذه التطورات أن إيران انتقلت خلال أشهر قليلة من التهديد بإغلاق مضيق هرمز إلى التفاوض على آلية لإعادة فتحه، وهذا التحول لا يبدو نابعاً من تبدل في الموقف السياسي بقدر ما يعكس تأثير الضغوط العسكرية والاقتصادية التي تعرضت لها طهران منذ اندلاع الحرب.
ومع ذلك، فإن الاتفاق المرتقب لا يمثل سلاماً دائماً، بل هدنة مؤقتة تنظم حركة الملاحة وتخفض مستوى التصعيد، أما الملفات الجوهرية، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني، والعقوبات، ومستقبل النفوذ الإيراني في المنطقة، فما زالت معلقة، ما يعني أن مضيق هرمز قد يهدأ مؤقتاً، لكنه سيبقى أحد أكثر مفاتيح الصراع حساسية في الشرق الأوسط.