واشنطن – سدن
منذ عودته إلى المواجهة المباشرة مع طهران، يتحدث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن إيران كما لو أنها خصم يمكن إخضاعه بقوة الضربة، أو بجاذبية الصفقة، أو بمزيج سريع من التهديد والإغراء. لكن ستة أشهر من الحرب أظهرت أن النظام الإيراني لا يتصرف وفق القواعد التي يجيد ترامب استخدامها مع خصومه، كما يقول الكاتب مايكل كراولي في صحيفة (نيويورك تايمز).
فترامب مرة يصف قادة طهران بالمجانين، ومرة يراهم عقلاء، ثم يعود فيصفهم بالأذكياء أو بالمخادعين. هذا التبدل لا يكشف فقط عن غضب، بل عن عجز مستمر في فهم الطريقة التي يفكر بها النظام الإيراني، وطبيعة السلطة التي تحكمه، ولماذا لا تدفعه الخسائر العسكرية دائماً إلى التراجع.
قال ترامب الأسبوع الماضي إن الإيرانيين «لا يفعلون سوى إثارة غضبه». وهذه العبارة تختصر مأزقه الحالي أكثر مما تختصر موقف إيران.
صفقة يريدها ترامب ولا تمنحه إياها طهران
تعوّل الإدارة الأميركية على التوصل إلى ترتيب يعيد فتح مضيق هرمز، بعد أشهر من الاضطراب الذي ضرب حركة الملاحة وأسعار النفط والأسواق العالمية.
لكن إيران، حتى وهي تفاوض، لا تزال تصر على الاحتفاظ بنفوذ داخل المضيق، وتطرح فكرة فرض رسوم على السفن العابرة، وهو ما يرفضه ترامب ودول الخليج.
المشكلة بالنسبة إلى الرئيس الأميركي أن استمرار الأزمة لم يعد عبئاً على إيران وحدها. فقد بدأت الحرب تستهلك رصيده السياسي داخلياً، وتضغط على المستهلك الأميركي، وتربك أسواق الطاقة، فيما لا يزال الاتفاق الذي وعد به بعيداً عن الصورة التي رسمها في البداية.
دخل ترامب الحرب وهو يتوقع أن تؤدي الضربات الواسعة إلى انهيار سريع في القيادة الإيرانية، أو إلى انتفاضة شعبية، أو إلى اتفاق يفرض فيه شروطه. لكن أياً من ذلك لم يتحقق بالسرعة التي أرادها.
مقتل خامنئي لم يُسقط النظام
مع بداية الحرب في 28 فبراير، قُتل المرشد الإيراني علي خامنئي في غارة جوية، إلى جانب عدد من كبار المسؤولين. حينها دعا ترامب الإيرانيين إلى الانتفاض والسيطرة على بلدهم، وتحدث كما لو أنه قادر على اختيار القيادة التالية لطهران.
لكن النظام لم ينهَر.
لم تخرج انتفاضة قادرة على إسقاطه، ولم تتفكك مؤسساته، بل أعاد ترتيب قيادته، واختير مجتبى خامنئي مرشداً جديداً، في تحدٍ واضح للإدارة الأميركية التي كانت تعتبره خياراً غير مقبول.
وبدلاً من أن تقود الضربات إلى صعود جناح أكثر مرونة، زادت الحرب من قوة المؤسسة الدينية والعسكرية، وأضعفت أي فرصة لظهور مركز بديل داخل النظام.
وهنا أخطأ ترامب في تقدير مسألة أساسية: الأنظمة العقائدية لا تتصرف دائماً بمنطق الخسارة والربح المباشر، ولا تسقط بمجرد مقتل رأسها، خصوصاً عندما تكون السلطة موزعة داخل شبكة من المؤسسات الأمنية والدينية والعسكرية.
إيران تفاوض.. لكنها لا تريد المصالحة
تقول طهران إنها قادرة على التفاوض بشأن المضيق أو الملف النووي، لكنها لا تظهر أي رغبة في تسوية شاملة مع الولايات المتحدة.
هذا الفرق مهم.
الإيرانيون قد يقبلون باتفاق يخفف الضغط أو يمنحهم وقتاً أو يعيد بعض صادرات النفط، لكنهم لا يريدون تحويل الاتفاق إلى مصالحة سياسية كبرى تقضي على العداء مع واشنطن.
فالعداء لأميركا ليس مجرد شعار في الخطاب الإيراني، بل جزء من بنية النظام وشرعيته. وأي تقارب واسع يهدد رجال الدين والحرس الثوري والتيار المتشدد الذين بنوا نفوذهم على فكرة الصراع مع الغرب.
ترامب يريد صفقة تنهي الأزمة، أما طهران فتريد صفقة تدير الأزمة وتحافظ عليها كورقة قوة.
مأزق عمره نحو نصف قرن
ترامب ليس أول رئيس أميركي يواجه هذا الغموض، فمنذ الثورة الإيرانية عام 1979، حاول رؤساء أميركيون فهم نظام تتداخل فيه المؤسسات المنتخبة شكلياً مع سلطة دينية مطلقة، وتتنافس داخله مراكز قوى متعددة، لكن القرار الأخير يبقى بيد المرشد.
كثير من الإدارات اعتقدت أنها عثرت على «معتدلين» يمكن التفاهم معهم، قبل أن تكتشف أن هؤلاء لا يملكون القرار النهائي، أو أن التيار المتشدد قادر على إجهاض أي انفتاح.
كارتر والرهائن
في عهد الرئيس جيمي كارتر، اعتقدت واشنطن أنها اقتربت من اتفاق لإطلاق سراح 52 رهينة أميركية احتجزوا في سفارتها بطهران.
دخلت الإدارة الأميركية في مفاوضات سرية، وبدا أن تسوية باتت ممكنة مقابل الإفراج عن أموال إيرانية مجمدة وتعهدات بعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
لكن المرشد الأول روح الله الخميني أسقط التفاهم فجأة، وفاجأ الأميركيين وبعض المسؤولين الإيرانيين أنفسهم.
تحولت الأزمة إلى كارثة سياسية لكارتر، وفشلت عملية عسكرية لتحرير الرهائن، ولم يغادر المحتجزون إيران إلا في اليوم الأخير من ولايته.
ريغان وصفقة السلاح السرية
بعد ذلك بسنوات، اعتقد الرئيس رونالد ريغان أن بإمكانه فتح باب مع مسؤولين إيرانيين يوصفون بالاعتدال.
وافقت إدارته على بيع أسلحة سراً إلى إيران مقابل المساعدة في إطلاق رهائن أميركيين في لبنان، ثم جرى تحويل جزء من الأموال إلى متمردي الكونترا في نيكاراغوا، في تحدٍ للكونغرس.
انفجرت الفضيحة التي عُرفت باسم «إيران كونترا»، وطاردت إدارة ريغان، بينما تبين أن الحديث عن انفتاح استراتيجي مع طهران لم يكن سوى وهم.
لم يظهر معتدلون قادرون على تغيير سياسة النظام، ولم تتحول الصفقة إلى علاقة جديدة.
كلينتون والفرصة التي خنقها المتشددون
في عهد بيل كلينتون، بدا أن انتخاب محمد خاتمي رئيساً لإيران قد يفتح صفحة مختلفة.
تحدث خاتمي بلغة أكثر هدوءاً، وأبدى اهتماماً بتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة، فيما ردت واشنطن بإشارات تصالحية، منها السماح باستيراد السجاد والفستق الإيرانيين، والاعتراف ببعض مظالم إيران التاريخية.
حتى وزيرة الخارجية مادلين أولبرايت قدمت اعتذاراً عن دور وكالة الاستخبارات المركزية في انقلاب عام 1953.
لكن المرشد علي خامنئي أغلق الباب سريعاً، لأن المصالحة مع أميركا كانت تهدد الأساس الأيديولوجي للنظام ومصالح المتشددين.. لقد امتلك خاتمي الرغبة، لكنه لم يمتلك السلطة.
أوباما والاتفاق الذي لم يتحول إلى سلام
نجح باراك أوباما في ما فشل فيه معظم أسلافه، حين توصل عام 2015 إلى اتفاق نووي فرض قيوداً مؤقتة على البرنامج الإيراني مقابل تخفيف العقوبات.
استغرق الاتفاق نحو عشرين شهراً من التفاوض، واعتبرته إدارة أوباما إنجازاً دبلوماسياً كبيراً.
لكن الآمال بأن يتحول الاتفاق إلى مدخل لعلاقة أوسع لم تتحقق. وافق خامنئي على الصفقة النووية لأنه رأى فيها منفعة للنظام، لكنه لم يسمح بتحويلها إلى تقارب سياسي.
ثم جاء ترامب عام 2018، وانسحب من الاتفاق، وأعاد فرض عقوبات أشد، فردت إيران بتسريع برنامجها النووي، لتعود الأزمة بعد سنوات إلى المواجهة العسكرية.
لماذا تفهم إيران واشنطن أكثر؟
يعتقد دبلوماسيون أميركيون سابقون أن طهران تقرأ واشنطن بصورة أفضل مما تقرأ واشنطن طهران.
الإيرانيون يدركون أن الإدارات الأميركية تعمل تحت ضغط الانتخابات والرأي العام والأسواق ودورات الحكم القصيرة. ويعرفون أن أي رئيس أميركي يريد نتيجة واضحة خلال وقت محدود.
أما النظام الإيراني فيعمل بمنطق مختلف. فهو مستعد للصبر، وتحمل العقوبات، وخوض مفاوضات طويلة، واستثمار الوقت في إنهاك خصمه.
حين يرى الإيرانيون أن واشنطن مستعجلة للوصول إلى اتفاق، لا يعدون ذلك فرصة لتقديم تنازلات، بل نقطة ضعف يمكن استغلالها.
ترامب يريد اتفاقاً اليوم أو غداً. أما الإيرانيون فيعتقدون أن الوقت يخدمهم، وأن غضب الرئيس الأميركي قد يدفعه إلى تقديم ما لم يكن مستعداً لتقديمه في البداية.
أين أخطأ ترامب؟
أخطأ ترامب عندما ظن أن القوة وحدها ستنتج اتفاقاً سريعاً.
وأخطأ حين اعتقد أن قتل قادة بارزين سيؤدي تلقائياً إلى سقوط النظام.
وأخطأ حين تعامل مع القيادة الإيرانية بوصفها مجموعة رجال يمكن إخافتهم أو إغراؤهم، لا مؤسسات أمنية ودينية وعسكرية بنت نفوذها خلال عقود.
كما أن طريقته الشخصية في التفاوض، القائمة على الضغط العلني والإهانات والتقلب بين التهديد والإطراء، قد تنجح مع زعماء يخشون الخسارة الفورية، لكنها أقل تأثيراً في نظام يعتبر التراجع أمام أميركا تهديداً لشرعيته الداخلية.