إسطنبول - سدن
حين أعلن أحمد داود أوغلو تأسيس حزب المستقبل أواخر عام 2019، بدا وكأنه يطلق أخطر تحد سياسي للرئيس رجب طيب أردوغان من داخل المدرسة نفسها التي أسست حزب العدالة والتنمية، لكن بعد أقل من سبعة أعوام، انتهت التجربة بهدوء، بعدما أعلن الرجل إنهاء نشاط الحزب، والانسحاب من العمل الحزبي، في خطوة اعتبرها كثيرون اعترافاً بفشل المشروع أكثر مما هي اعتزال للعمل العام.
فهل طوى داود أوغلو صفحته السياسية فعلاً، أم أنه يمهّد لعودة مختلفة إلى المشهد التركي؟
من الصعب فهم هذه النهاية من دون العودة إلى البداية.
فداود أوغلو لم يكن مجرد رئيس وزراء سابق، بل كان لسنوات طويلة العقل الاستراتيجي للسياسة الخارجية التركية، وصاحب نظرية (العمق الاستراتيجي) التي أعادت رسم حضور أنقرة في الشرق الأوسط والبلقان والقوقاز، وبين عامي 2009 و2014 قاد وزارة الخارجية، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة ورئاسة حزب العدالة والتنمية بعد انتقال أردوغان إلى رئاسة الجمهورية.
غير أن العلاقة بين الرجلين بدأت تتصدع تدريجياً، خصوصاً بعد اتساع صلاحيات الرئيس، لتصل إلى ذروتها في ربيع 2016، عندما اضطر داود أوغلو إلى الاستقالة، فيما عرف آنذاك داخل الإعلام التركي بـ(الانقلاب الأبيض)، وهو توصيف غير رسمي أطلق على الطريقة التي أُبعد بها من قيادة الحزب والحكومة من دون مواجهة مباشرة.
حزب لم ينجح في اختراق الشارع
بعد ثلاث سنوات، عاد داود أوغلو إلى الحياة السياسية عبر تأسيس حزب المستقبل، معتمداً على فكرة تقديم نسخة محافظة أكثر ديمقراطية من العدالة والتنمية، وموجهاً انتقادات حادة لتركيز السلطة وتراجع استقلال القضاء والحريات، لكن الحزب اصطدم بواقع سياسي شديد الصعوبة.
فالمعارضة التركية كانت تعاني أصلاً من التشتت، بينما حافظ حزب العدالة والتنمية على قاعدته الشعبية الأساسية، ولم يتمكن داود أوغلو، ولا علي باباجان عبر حزب (ديفا)، من استقطاب الكتلة المحافظة التي كانا يراهنان عليها.
وفي انتخابات 2023، اضطر حزب المستقبل إلى خوض الانتخابات عبر قوائم حزب السعادة، ثم شارك لاحقاً في تشكيل الكتلة البرلمانية المشتركة (الطريق الجديد) مع حزبي السعادة وديفا، في محاولة لتعويض ضعف الحضور الانتخابي.
ورغم وجود أربعة نواب في البرلمان، بقي الحزب محدود التأثير سياسياً وتنظيمياً، مع أزمات مالية وهيكلية متكررة.
رسالة سياسية إلى أردوغان
اللافت في بيان داود أوغلو لم يكن فقط إعلان حل الحزب، بل العبارة التي نقلتها وسائل إعلام تركية عنه خلال مناقشات داخلية، حين قال: "بعد هذه المرحلة لن أكون في مواجهة السيد الرئيس".. وهذه الجملة وحدها أعادت فتح باب التكهنات.
فالإعلام التركي القريب من الحكومة بدأ يتحدث عن احتمال عودة داود أوغلو إلى حزب العدالة والتنمية، خاصة مع اقتراب احتفالات الحزب بمرور ربع قرن على تأسيسه.
ولا يوجد حتى الآن أي إعلان رسمي يؤكد ذلك، لكن مجرد تداول الفكرة يعكس تغيراً واضحاً في طبيعة العلاقة بين الطرفين، بعد سنوات من القطيعة السياسية.
لماذا فشل المشروع؟
لم يكن الفشل مرتبطاً بشخص داود أوغلو وحده، بل بطبيعة النظام السياسي التركي بعد الانتقال إلى النظام الرئاسي.
فهذا النظام جعل المنافسة تدور حول شخصيات كبيرة وتحالفات واسعة، وأصبح من شبه المستحيل على الأحزاب المنشقة حديثاً أن تفرض نفسها كقوة مستقلة، خصوصاً إذا كانت تنطلق من القاعدة الانتخابية نفسها التي يعتمد عليها الحزب الحاكم.
كما أن كثيراً من الناخبين المحافظين الذين انتقدوا سياسات أردوغان فضّلوا البقاء داخل المعسكر المحافظ، بدلاً من منح أصواتهم لأحزاب صغيرة لا تملك فرصة حقيقية للوصول إلى السلطة.
ماذا بعد؟
أعلن داود أوغلو أنه سيتفرغ للفكر والتعليم والاقتصاد والعلاقات الدولية، وهي مجالات لطالما اعتبرها امتداداً لدوره السياسي.
لكن في تركيا، يصعب الاعتقاد بأن السياسيين الكبار يغادرون المشهد نهائياً.
فالرجل ما يزال يحتفظ بعلاقات واسعة داخل مؤسسات الدولة، وبشبكة أكاديمية ودبلوماسية دولية، كما أن خبرته في ملفات الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا الوسطى تجعل حضوره الفكري مؤثراً حتى خارج الإطار الحزبي.
أما نواب حزب المستقبل الأربعة، فسيواصلون عملهم داخل البرلمان كمستقلين ضمن مجموعة (الطريق الجديد)، بينما تستمر التسريبات بشأن انتقال بعضهم لاحقاً إلى أحزاب أخرى، وفي مقدمتها حزب العدالة والتنمية.
هل يربح أردوغان سياسياً؟
إذا انتهت القطيعة فعلاً، فإن المستفيد الأول سيكون أردوغان أكثر من داود أوغلو.
فعودة أحد أبرز مؤسسي العدالة والتنمية، حتى بصورة رمزية، ستقدم باعتبارها دليلاً على قدرة الحزب الحاكم على استعادة شخصياته التاريخية، في وقت تبدو فيه المعارضة أكثر انقساماً من أي وقت مضى.
أما إذا بقي داود أوغلو خارج الأحزاب، فسيظل لاعباً فكرياً أكثر منه منافساً انتخابياً.
وفي الحالتين، تبدو تجربة حزب المستقبل وكأنها تؤكد حقيقة باتت واضحة في السياسة التركية: الانشقاق عن حزب العدالة والتنمية أسهل بكثير من بناء بديل قادر على منافسته.