تفكيك

عش مثل جدتك..
لماذا يبحث جيل الإنترنت عن الحياة التي تركها وراءه؟

واشنطن - سدن
7 أغسطس 2026
عش مثل جدتك..
لماذا يبحث جيل الإنترنت عن الحياة التي تركها وراءه؟

واشنطن – سدن

في أحدث مفارقات عصر الإنترنت، أصبح العالم بحاجة إلى (ترند) كي يكتشف أن تناول الطعام على مهل، وارتداء ملابس جميلة، والجلوس مع العائلة، وصناعة الأشياء باليد، والخروج إلى السوق، والطبخ في المنزل، وعدم قضاء اليوم كله أمام شاشة.. قد تكون طريقة جيدة للعيش.

الاسم الجديد لهذه الفكرة هو Nonnamaxxing، وهي موجة أخذت تنتشر على منصات التواصل، تقوم باختصار على تقليد أسلوب حياة الجدات الإيطاليات.

لكن الجدات الإيطاليات لم يعرفن أنهن يمارسن «Nonnamaxxing». بالنسبة إليهن، كان ذلك يسمى ببساطة: الحياة.

هذا هو المدخل الذي تنطلق منه الكاتبة الإيطالية باولا تاما في مقال نشرته صحيفة «فايننشال تايمز»، مستعيدة سيرة جدتها الميلانية، لتجد أن الإنترنت حول نمطاً كاملاً من الحياة الأوروبية القديمة إلى اكتشاف عصري جديد.

الجدة تتحول إلى (ترند)

خلال السنوات الأخيرة، بدأت صورة الـNonna الإيطالية تكتسب حضوراً لافتاً على الإنترنت.

الجدة التي تعجن المعكرونة بيديها، وتطبخ لساعات، وترفض المقادير الدقيقة لأنها تعرف الكمية بعينيها، أصبحت نجمة على يوتيوب وإنستغرام.

وحققت قناة Pasta Grannies انتشاراً واسعاً من خلال تصوير الجدات الإيطاليات وهن يصنعن أطباقاً تقليدية، فيما ظهرت بالتوازي صورة أخرى للجدة الإيطالية، أكثر أناقة وثراء، هي الـSciura الميلانية. والـSciura ليست مجرد امرأة مسنة. إنها شخصية اجتماعية تكاد تكون جزءاً من هوية ميلانو: امرأة أنيقة، واثقة، ترتدي ملابس عالية الجودة، تحمل حقيبتها الفاخرة، تضع مجوهراتها، تذهب إلى المقهى أو السوق وكأنها ذاهبة إلى موعد مهم.

حتى هذه الشخصية وجدت طريقها إلى الإنترنت، وأصبحت حسابات متخصصة تلاحق أناقة نساء ميلانو الكبيرات في السن، فيما بدأت علامات الأزياء الفاخرة تستلهم حضورهن.

وهكذا حدث شيء غريب: المرأة التي كان يمكن لجيل الشباب قبل عشرين عاماً أن يصفها بأنها (قديمة)، أصبحت اليوم نموذجاً للحياة التي يريد تقليدها.

من الفقر إلى الأناقة

لكن قصة الجدة التي تستعيدها تاما تكشف أن المسألة لم تكن يوماً مجرد ملابس.

ولدت جدتها عام 1934 في أسرة فقيرة على أطراف ميلانو. كانت والدتها خياطة تكافح لإعالة الأسرة، بينما فقد والدها الشيوعي عمله في مصنع خلال الحقبة الفاشية.

وفي سنوات الحرب، أُرسلت وهي طفلة مع إخوتها إلى دير خارج المدينة هرباً من القصف.

كان الجوع شديداً إلى درجة أن الأطفال عثروا ذات مرة على معجون أسنان ضمن طرود ألقتها قوات الحلفاء، فدهنوه على الخبز وأكلوه ظناً منهم أنه طعام.

بعد الحرب تغير كل شيء.

كانت إيطاليا تعيد بناء نفسها، وميلانو تتحول إلى إحدى محركات المعجزة الاقتصادية الإيطالية. عملت الشابة سكرتيرة في مكتب هندسي، وشاهدت مدينة كاملة تنهض تقريباً من الركام.. وهناك بدأت تصنع نفسها أيضاً.

عندما أرادت في الثامنة عشرة حضور حفل للشركة ولم يكن لديها فستان مناسب، اشترت بقليل من مدخراتها حريراً أخضر، وخاطت فستانها بنفسها، واستبدلت قباقيبها الخشبية بحذائها الأفضل، ثم استقلت الترام إلى المدينة.

تفصيل صغير، لكنه يلخص جيلاً كاملاً.

لم تكن الأناقة بالنسبة إلى نساء ذلك الجيل استعراضاً للثراء بقدر ما كانت انتصاراً صغيراً على الحرمان.

حين كانت الملابس مشروعاً شخصياً

لاحقاً تحسنت أوضاع الأسرة، وأصبح بإمكان الجدة شراء ما تريد، لكنها لم تتخل عن ماكينة الخياطة «سنغر».

كانت تستوحي أزياءها من نجمات السينما الإيطالية مثل صوفيا لورين ومونيكا فيتي، ثم تعيد صناعة ما يعجبها بطريقتها.

وكانت تستطيع، وفق حفيدتها، تحويل رسم بسيط أو فكرة إلى فستان حقيقي.

وعندما بدأت الحفيدة تطلب منها فساتين باستمرار، قررت الجدة ذات يوم أن الدلال انتهى، وأجلستها أمام ماكينة الخياطة وأعطتها ثلاث قواعد:

لا رجوع بعد قص القماش.

اخيطي القطع يدوياً أولاً.

واجعلي الثوب أوسع قليلاً، لأن تضييقه ممكن، أما توسيع الضيق فليس كذلك.

قد تبدو تلك نصائح خياطة.. لكن من السهل قراءتها أيضاً باعتبارها فلسفة حياة لجيل كان يعرف أن بعض القرارات لا يمكن التراجع عنها، وأن العمل المتقن يحتاج إلى صبر، وأن ترك مساحة إضافية أفضل من الوصول إلى الحافة.

ما الذي يفتقده الجيل الجديد؟

هنا تصبح ظاهرة «Nonnamaxxing» أكثر إثارة للاهتمام من مجرد موضة عابرة.

فالجيل الرقمي لا يقلد الجدات الإيطاليات لأنه يريد فقط تعلم إعداد الـGnocchi أو ارتداء وشاح حريري.. إنه مفتون بما تمثله حياتهن:

الإيقاع البطيء.

المهارة اليدوية.

البيت.

الطعام الحقيقي.

العائلة.

الأناقة اليومية.

والقدرة على الاستمتاع بأشياء لا تحتاج إلى شاشة.

لقد عاش الإنسان الحديث سنوات طويلة وهو يحاول التخلص من كل ما اعتبره (قديماً)، فقد استبدل الطعام المنزلي بالطعام السريع. والأسواق المحلية بالتطبيقات. والخياطة بالملابس الرخيصة سريعة الإنتاج. والجلسات الطويلة بالرسائل القصيرة. والصور القليلة المحفوظة في ألبوم بآلاف الصور التي قد لا يعود إليها أبداً. حتى الملابس تغير معناها.

كان الخروج من المنزل لدى أجيال سابقة مناسبة تستحق أن يرتدي الإنسان لها ملابس جيدة. أما ثقافة الراحة الحديثة، والعمل عن بعد، والملابس الرياضية، فقد جعلت الحدود بين ملابس البيت والشارع والعمل أكثر ضبابية.

ثم، بعد كل هذا التحرر من (الحياة القديمة)، بدأ جزء من الجيل الجديد ينظر خلفه، واكتشف شيئاً محرجاً بعض الشيء: ربما لم يكن كل ما تركناه وراءنا متخلفاً، الإنترنت يبيعنا ما قتلناه، وهناك مفارقة أكبر، فالمنصات الرقمية نفسها التي ساهمت في تسريع الحياة أصبحت المكان الذي يبحث فيه الناس عن كيفية إبطائها.

نشاهد على الهاتف مقطعاً يعلمنا كيف نبتعد عن الهاتف، ونتابع مؤثراً يشرح فوائد «الحياة البطيئة»، ونشتري كتاباً عن التخلص من الاستهلاك، وقد ندفع مبالغ كبيرة مقابل دورة تعلمنا صناعة الخبز الذي كانت الجدة تصنعه لأنها ببساطة تحتاج إلى خبز.

إنها إحدى أغرب قدرات الاقتصاد الحديث: تحويل الأشياء العادية التي فقدناها إلى منتجات يمكن بيعها لنا من جديد:

المشي أصبح برنامجاً صحياً.

الصمت أصبح «Digital Detox».

الجلوس بلا هاتف أصبح «Mindfulness».

الطعام المنزلي أصبح «Slow Food».

وحياة الجدة الإيطالية أصبحت «Nonnamaxxing».

تتغير الأسماء، لكن الفكرة قديمة جداً.

ليست دعوة للعودة إلى الماضي

مع ذلك، سيكون من السذاجة تحويل حياة الجدات إلى فردوس مفقود، ذلك الجيل عرف الحرب والفقر والعمل الشاق والقيود الاجتماعية، وكانت حياة النساء خصوصاً أقل حرية في جوانب كثيرة مما هي عليه اليوم.

ولا أحد يحتاج إلى إعادة إنتاج خمسينيات القرن الماضي كي يعيش حياة أفضل في 2026، لكن الحنين الجديد إلى الـNonna يقول شيئاً مهماً عن الحاضر أكثر مما يقوله عن الماضي.. إنه يكشف شعوراً متزايداً بأن الكفاءة لم تجعل حياتنا بالضرورة أغنى.

فقد استطعنا توفير الوقت في كل شيء تقريباً، ثم اكتشفنا أننا لا نملك وقتاً.

أصبح الطعام يصل خلال دقائق، والملابس خلال يوم، والرسائل خلال ثانية، والترفيه متاحاً بلا توقف، ومع ذلك يبحث كثيرون عن شيء أبطأ.

ربما لأن الإنسان لا يريد فقط حياة سهلة.. يريد حياة لها ملمس.

رائحة طعام في المطبخ، ثوباً يعرف من صنعه، طاولة يجلس حولها أشخاص يعرفهم، وطقوساً صغيرة تتكرر حتى تصبح جزءاً من الذاكرة.

ولهذا ربما لم تكن جدة باولا تاما بحاجة إلى نظريات عن (العافية النفسية) أو (الحياة البطيئة).

كانت تطبخ، وتخيط، وتتأنق، وتربي أبناءها وأحفادها، وتضع مئزرها في الريف ومجوهراتها في ميلانو.. وحين احتاجت إلى فستان، صنعت فستاناً.

وحين احتاج أحفادها إلى لعبة، صنعت لهم لعبة من الزهور وأوراق القصب.

وحين أرادت أن تكون أنيقة، لم تنتظر مناسبة كبيرة.. ربما لهذا السبب تحديداً ينظر إليها جيل كامل اليوم بشيء من الدهشة.

لقد امتلكنا من التكنولوجيا ما لم يكن بوسع جداتنا تخيله، لكننا نعود إليهن عبر أكثر أدوات العالم حداثة، نسأل عن سر الحياة التي كانت لديهن.

والمفارقة أن الجواب قد يكون أبسط كثيراً من اسم «Nonnamaxxing»:

لا تجعل الحياة شيئاً تستعد لعيشه لاحقاً.

شارك المقال f 𝕏 in