لندن – سدن
تمضي دولة الإمارات العربية المتحدة في إعادة رسم موقعها داخل خريطة الطاقة العالمية، عبر استراتيجية أكثر جرأة تقودها شركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك)، وتقوم على زيادة القدرة الإنتاجية، والتوسع في الأسواق الدولية، وتأمين مسارات تصدير أقل عرضة للمخاطر الجيوسياسية، بالتزامن مع سعي الشركة للتحول من عملاق نفطي مملوك للدولة إلى مجموعة طاقة عالمية قادرة على منافسة كبريات الشركات الدولية.
وبحسب تقرير لصحيفة (فايننشال تايمز)، فإن التحركات المتسارعة التي تقوم بها (أدنوك) منذ انسحاب الإمارات من منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) تشير إلى أن أبوظبي تتجه إلى مرحلة مختلفة في إدارة ثروتها النفطية، لا تقتصر على إنتاج الخام وتصديره، وإنما تشمل بناء حضور دولي واسع يمتد من البتروكيماويات إلى التكرير والتوزيع والاستحواذ على أصول خارجية.
وكان رئيس (أدنوك) قد أكد عند خروج الإمارات من (أوبك) أن القرار لا يمثل محاولة للتقليل من شأن المنافسين أو المنظمة، وإنما يعكس ثقة أبوظبي بإمكاناتها وطموحاتها المستقبلية.
وبعد ثلاثة أشهر على تلك الخطوة، ترى الصحيفة أن مسار الشركة أصبح أكثر وضوحاً، مع توجهها إلى رفع إنتاج النفط إلى أقصى المستويات الممكنة، والبحث عن منافذ جديدة لتسويق الخام بعد التداعيات الكارثية لإغلاق مضيق هرمز، بالتوازي مع تسريع تحول (أدنوك) إلى لاعب دولي يتجاوز النموذج التقليدي لشركات النفط الوطنية.
شركة نفط في قلب مشروع دولة
وتكتسب تحولات (أدنوك) أهمية تتجاوز قطاع الطاقة نفسه، بالنظر إلى الدور الذي لعبته الشركة في تمويل التحول الاقتصادي للإمارات خلال العقود الماضية، وانتقال البلاد إلى مركز دولي للتجارة والاستثمار والخدمات.
ولهذا، تشير (فايننشال تايمز) إلى أن مستقبل الشركة يحمل أهمية سياسية واقتصادية كبيرة بالنسبة إلى أبوظبي، ويرتبط بصورة وثيقة بقدرة الإمارات على الحفاظ على نموذجها الاقتصادي ونجاحه على المدى الطويل.
وقال روبن ميلز، الرئيس التنفيذي لشركة (قمر للطاقة) الاستشارية، إن (أدنوك) تمر بمرحلة شديدة الأهمية في تاريخها، موضحاً أن ما يحدث يمثل امتداداً للمسار الذي اتبعته الشركة خلال السنوات الخمس أو الست الماضية، لكن الخطط أصبحت الآن أسرع وأكثر جرأة.
ويأتي هذا التحول ضمن مرحلة شهدت صعوداً واسعاً للنفوذ الإماراتي خلال العقد الماضي، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، وهو ما منح الدولة في الأوساط الدبلوماسية الدولية لقب (إسبرطة الصغيرة)، في إشارة إلى قدرتها على ممارسة نفوذ يتجاوز مساحتها الجغرافية وعدد سكانها.
أبوظبي تراهن على استمرار عصر النفط
ورغم خروج الإمارات من (أوبك)، تؤكد (أدنوك) أن استراتيجيتها الأساسية لم تتغير.
وقال متحدث باسم الشركة إن (أدنوك) سرعت خططها التنموية داخل الإمارات وخارجها بهدف تلبية الطلب المتزايد على الطاقة.
ويتبنى سلطان الجابر، الرئيس التنفيذي للشركة، رؤية تقوم على أن الطلب العالمي على النفط سيظل قوياً لفترة أطول مما تفترضه كثير من التوقعات المرتبطة بالتحول نحو الطاقة النظيفة.
لكن تسريع عمليات تطوير الحقول وزيادة الإنتاج ليس قراراً حديثاً، وإنما نتيجة سنوات من التخطيط والاستثمارات، وسط اعتقاد لدى بعض المراقبين بأن أبوظبي تريد تحقيق أقصى استفادة ممكنة من احتياطاتها الهيدروكربونية قبل حدوث تحول جذري في أسواق الطاقة العالمية.
وبهذا المعنى، تبدو المعادلة الإماراتية واضحة: طالما بقي النفط سلعة مرتفعة القيمة ومطلوبة عالمياً، فإن إبقاء كميات ضخمة منه تحت الأرض لا يخدم بالضرورة المصالح الاقتصادية طويلة الأمد للدولة.
ولم تقتصر استراتيجية «أدنوك» على زيادة إنتاج الخام، إذ أنفقت الشركة عشرات المليارات من الدولارات على عمليات التوسع والاستحواذ في الخارج، لبناء سلسلة أعمال تمتد إلى قطاعات الطاقة والصناعات البتروكيماوية والأسواق النهائية.
وأصبح قطاع البتروكيماويات تحديداً أحد أهم محاور التوسع الإماراتي، باعتباره من المجالات التي يتوقع استمرار نمو الطلب على النفط فيها حتى إذا أدى انتشار السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة إلى تقليص استهلاك الوقود في قطاعات أخرى.
وخلال العام الحالي، أكملت (أدنوك) دمج أعمالها في مجال البتروكيماويات مع أعمال شركة (OMV) النمساوية، لتأسيس شركة Borouge Group International AG، بقيمة تقديرية تبلغ نحو 60 مليار دولار.
وجاءت الصفقة ضمن استراتيجية لبناء واحدة من أكبر مجموعات البتروكيماويات في العالم، ومنح أبوظبي ثقلاً يتجاوز دورها التقليدي بوصفها مصدراً للنفط الخام.
وسبق ذلك إتمام (أدنوك)، في نهاية العام الماضي، عملية الاستحواذ على شركة (Covestro) الألمانية المتخصصة في تصنيع البوليمرات، في صفقة بلغت قيمتها نحو 17 مليار دولار، وهي واحدة من أكبر عمليات الاستحواذ الخارجية التي نفذتها المجموعة الإماراتية.
من آبار أبوظبي إلى محطات الوقود الأفريقية
وفي الأسابيع الأخيرة، تحركت (أدنوك) في اتجاه آخر من سلسلة الطاقة العالمية، عبر توسيع حضورها في قطاع توزيع الوقود خارج الإمارات.
فقد استحوذت (أدنوك للتوزيع) على محطات الوقود التابعة لشركة (شل) في جنوب أفريقيا مقابل نحو مليار دولار.
ومنحت الصفقة الشركة الإماراتية موطئ قدم مباشراً في سوق التجزئة داخل أكبر اقتصاد أفريقي، كما مثلت إشارة واضحة إلى أن استراتيجية أبوظبي لم تعد تستهدف فقط امتلاك أصول إنتاجية وصناعية، وإنما الوصول بصورة مباشرة إلى المستهلكين في الأسواق الدولية.
ويرى ميلز أن بناء شركة نفط قادرة على المنافسة عالمياً يحتاج إلى محفظة مناسبة من الأصول الدولية، وأن توسع (أدنوك) يمكن أن يتحول بدوره إلى محرك لبقية قطاعات الاقتصاد الإماراتي، بالنظر إلى سجل الشركة وقدرتها على تنفيذ المشاريع الكبرى.
تراجع عن تجربة تسعير (مربان)
وبالتزامن مع التوسع الخارجي، أجرت (أدنوك) تعديلاً مهماً على سياسة تسعير نفطها.
فقد تخلت الشركة عن محاولتها تأسيس معيار جديد لتسعير خام (مربان)، وهو الخام الإماراتي الرئيسي، وعادت إلى النظام السابق الذي يربط أسعار النفط الإماراتي بسلة من أنواع الخام في الشرق الأوسط.
وتأتي هذه الخطوة ضمن عملية أوسع لإعادة ترتيب السياسة التجارية للشركة في مرحلة تتغير فيها خريطة تدفقات الطاقة ومسارات النقل والتسعير نتيجة الاضطرابات الجيوسياسية.
عقدة هرمز
لكن التحدي الأكثر إلحاحاً بالنسبة إلى أبوظبي لا يوجد في الأسواق الأوروبية أو الأفريقية، وإنما على بعد مسافة قصيرة من سواحل الإمارات: مضيق هرمز.
فالأزمة المرتبطة بالمضيق كشفت مجدداً هشاشة أحد أهم شرايين تصدير الطاقة في العالم، وأظهرت حجم المخاطر التي تواجهها دول الخليج عندما تصبح صادراتها النفطية مرتبطة بممر بحري يمكن أن يتحول إلى ورقة ضغط خلال النزاعات الإقليمية.
ولهذا وضعت (أدنوك) تأمين قنوات توزيع بديلة وأكثر أماناً ضمن أولوياتها العاجلة.
وتمتلك الإمارات بالفعل خط أنابيب لنقل النفط الخام تبلغ طاقته نحو 1.5 مليون برميل يومياً، يمتد عبر الأراضي الإماراتية وصولاً إلى إمارة الفجيرة الواقعة على الساحل الشرقي، خارج مضيق هرمز.
ويتيح هذا الخط لأبوظبي تصدير جزء من نفطها من بحر العرب من دون الحاجة إلى مرور الناقلات عبر المضيق، لكن القدرة الحالية لم تعد كافية بالنسبة إلى الطموحات الإماراتية الجديدة.
خط ثانٍ يتجاوز إيران
وبحسب (فايننشال تايمز)، تعمل (أدنوك) حالياً على إنشاء خط أنابيب ثانٍ باتجاه الفجيرة، من شأنه مضاعفة كمية النفط التي يمكن للإمارات تصديرها من ساحلها الشرقي اعتباراً من عام 2027.
وتحمل الخطوة بعداً استراتيجياً يتجاوز زيادة الطاقة الاستيعابية، إذ تسعى أبوظبي إلى تقليص قدرة إيران على التأثير في صادراتها النفطية عبر التحكم بمستوى المخاطر في مضيق هرمز.
فكل برميل تستطيع الإمارات نقله مباشرة إلى الفجيرة يعني عملياً برميلاً لا يحتاج إلى المرور عبر المضيق.
كما تدرس (أدنوك) إنشاء خط أنابيب آخر مخصص لنقل المنتجات النفطية المكررة، بما يسمح بتوسيع شبكة التصدير البديلة وعدم اقتصارها على النفط الخام.
وترجح الصحيفة أن تتوسع هذه الخطط بصورة أكبر إذا استمرت المواجهة المتعلقة بالسيطرة على مضيق هرمز، وهو ما قد يدفع الإمارات إلى تسريع استثمارات البنية التحتية التي تمنحها قدرة أكبر على العمل بعيداً عن الممر البحري المضطرب.
نفط أكثر.. لكن بطريقة مختلفة
ولا تعكس استراتيجية أبوظبي الجديدة تخلياً عن النفط لمصلحة اقتصاد ما بعد النفط، بقدر ما تبدو محاولة لإعادة تعريف الطريقة التي تستفيد بها الإمارات من كل برميل تملكه.
فالهدف لم يعد فقط استخراج النفط وبيعه، وإنما زيادة الإنتاج، وتحويل جزء أكبر منه إلى منتجات بتروكيماوية مرتفعة القيمة، وامتلاك الشركات التي تصنع تلك المنتجات، والتوسع في شبكات التوزيع الدولية، والسيطرة على مزيد من حلقات سلسلة الطاقة من البئر وصولاً إلى السوق.
وبذلك تتحرك (أدنوك) باتجاه نموذج أقرب إلى شركات الطاقة الدولية الكبرى، مع فارق أساسي يتمثل في امتلاكها قاعدة ضخمة من الاحتياطيات النفطية المدعومة بقوة مالية وسيادية إماراتية.
وإذا نجحت الخطة، فإن الشركة قد تتحول من شركة النفط الوطنية للإمارات إلى إحدى القوى التي تنافس على إعادة تشكيل صناعة الطاقة العالمية نفسها.
وفي خلفية كل ذلك تقف حقيقة جيوسياسية دفعت الأحداث الأخيرة أبوظبي إلى التعامل معها بجدية أكبر: امتلاك النفط وحده لا يكفي، إذا كان الطريق الذي يخرج منه إلى العالم يمكن إغلاقه.
ولهذا فإن المعركة الجديدة لـ(إسبرطة الصغيرة) ليست فقط على زيادة عدد البراميل التي تنتجها.. إنها أيضاً على امتلاك الطريق الذي تعبر منه تلك البراميل إلى العالم.