تفكيك

كيف تسبب سقوط الأسد في تجفيف تمويل «حزب الله»؟

حسين جمو
9 أغسطس 2026
كيف تسبب سقوط الأسد في تجفيف تمويل «حزب الله»؟

يواجه «حزب الله» اللبناني واحدة من أشد أزماته المالية منذ سنوات، في ظل حملة منظمة تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل لتضييق قنوات تمويله، بالتوازي مع إجراءات لبنانية تستهدف الشبكات المالية التي اعتمد عليها الحزب في تحويل الأموال وتمويل منظومته العسكرية والاجتماعية.

ونشرت صحيفة «نيويورك تايمز» تقريراً شارك في إعداده أربعة من مراسليها، استند إلى وثائق ومقابلات مع مسؤولين لبنانيين وأمريكيين وإسرائيليين، إلى جانب مصادر من داخل «حزب الله». وتكشف المعطيات أن الضغط المالي بدأ يفرض على الحزب إعادة ترتيب أولوياته، مع استمرار تمويل المقاتلين مقابل تقليص بعض الخدمات وتعليق تعويضات كان قد وعد بها مؤيديه والمتضررين من الحرب.

في مارس الماضي، عندما بدأت إسرائيل حربها الأخيرة ضد «حزب الله»، لم تكن الأهداف الأولى التي نبه الجيش الإسرائيلي السكان لإخلاء محيطها مستودعات أسلحة أو مراكز قيادة تحت الأرض، بل كانت بنوكاً. فقد سوّت المقاتلات الإسرائيلية بالأرض أكثر من 12 فرعاً لمؤسسة مالية تُعرف باسم «القرض الحسن»، تتهم منذ وقت طويل بأنها تعمل بمثابة بنك لـ«حزب الله» في لبنان. وتلت ذلك غارات جوية أخرى على محال صرافة كانت إيران تستخدمها لتحويل الأموال إلى «حزب الله»، حليفها اللبناني، وعلى محطات وقود كانت تدر إيرادات للجماعة.

ووبحسب ما نقلته نيويورك تايم في تقريرها، جاءت عمليات القصف تتويجاً لأشد حملة حتى الآن تشنها إسرائيل وإدارة ترامب والحكومة اللبنانية نفسها لتضييق الخناق المالي على «حزب الله»، عبر تعطيل قنوات تمويله، ولا سيما تلك القادمة من إيران.

وخلال الأشهر التي سبقت الحرب، عملت الحكومة اللبنانية، تحت ضغط من إدارة ترامب، على إغلاق المسارات التي كانت الجماعة تستخدمها لتلقي الأموال وتحريكها، ومن بينها مطار بيروت الدولي.

كما ضغطت واشنطن على مصرف لبنان المركزي لتشديد الرقابة على اقتصاد البلاد القائم بدرجة كبيرة على النقد، والذي استغله «حزب الله» منذ فترة طويلة.

والآن، يواجه «حزب الله» أشد ضغوطه الاقتصادية منذ سنوات، وفق وثائق اطلعت عليها «نيويورك تايمز» ومقابلات مع مسؤولين لبنانيين وأمريكيين وإسرائيليين، إلى جانب مصادر من داخل «حزب الله».

وكانت الحرب التي اندلعت في مارس هي الثانية خلال أقل من 3 سنوات بين إسرائيل و«حزب الله». وفي الصراع السابق، الذي بدأ أواخر 2023، قتلت إسرائيل الأمين العام السابق لـ«حزب الله» حسن نصرالله، إلى جانب عدد كبير من كبار قادة الحركة.

واستغل قادة في واشنطن وإسرائيل تلك اللحظة، بعدما رأوا أن «حزب الله» أصبح في موقع ضعف، فنسقوا جهودهم لتشديد الخناق على تمويله. واستهدفوا الشبكات المالية التي شكلت طويلاً أحد أسس قوة الجماعة، بالتوازي مع زيادة الضغط على الحكومة اللبنانية لنزع سلاح «حزب الله».

وفي حين استحوذت الحروب مع «حماس» في غزة وإيران على الاهتمام العالمي، فإن التضييق المالي على «حزب الله» يمثل جبهة أكثر هدوءاً في حملة تقودها واشنطن وإسرائيل، وفق خلاصات نيويورك تايمز، وتهدف إلى إضعاف قدرة طهران على بسط نفوذها من خلال الجماعات المسلحة الحليفة لها في أنحاء الشرق الأوسط.

وتتسم مالية الجماعة بالسرية، ولا يزال من غير الواضح إلى أي مدى أثرت إجراءات التضييق في عملياتها الواسعة. كما أثبت كل من «حزب الله» وداعمه الرئيسي إيران قدرتهما على الصمود أمام محاولات إضعافهما، سواء عبر استعادة القدرات العسكرية أو العثور على طرق جديدة لاستمرار تدفق الأموال.

ومع ذلك، يواجه «حزب الله» صعوبات في تمويل شبكة الرعاية الاجتماعية الواسعة التي شكلت منذ عقود ركيزة أساسية لدعمه بين قاعدته في لبنان. كما بات يعطي أولوية متزايدة للإنفاق العسكري بعدما ألحقت الهجمات الإسرائيلية أضراراً كبيرة بقدراته.

وقال المتحدث الرئيسي باسم «حزب الله»، يوسف الزين، لـ«نيويورك تايمز» في مايو إن الجماعة أوقفت مدفوعات التعويض التي كانت قد تعهدت بها لمؤيديها، في ظل معاناتها لتلبية احتياجات مئات الآلاف من النازحين بسبب الحرب.

وكانت وزارة الخارجية الأمريكية قدّرت، قبل الحرب، أن التمويل الإيراني لـ«حزب الله» يبلغ نحو 700 مليون دولار سنوياً، ما يشكل غالبية موازنته السنوية المقدرة بنحو مليار دولار. ووفق مسؤولين لبنانيين وأمريكيين وإسرائيليين، زادت إيران دعمها المالي لـ«حزب الله» خلال العام الماضي، لكن الأموال لا تزال غير كافية لتغطية النفقات الكبيرة المرتبطة بالحرب.

واشنطن تضغط على لبنان لتشديد الخناق

بدأت حملة التضييق على أموال «حزب الله» بصورة جدية في أواخر 2024. وبعد فترة قصيرة من وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة لإنهاء الحرب بين إسرائيل و«حزب الله»، أدى السقوط المفاجئ لنظام بشار الأسد في سوريا المجاورة إلى زيادة عزلة الجماعة عن طهران.

وكان «حزب الله» قد فقد مسار تهريب بالغ الأهمية في اللحظة نفسها التي كان يحتاج فيها إلى الأموال لإعادة البناء والحفاظ على عملياته.

وعلى مدى عقود، أدار «حزب الله» ما يشبه دولة داخل الدولة في لبنان، توفر الغذاء والسكن والأموال لأتباعه. وبنى شبكة إعلامية، وأنشأ مستشفيات ومدارس، وجنى إيرادات من محطات وقود وشركات أدوية، وراكم، بدعم مالي إيراني، ترسانة تفوق قوة الجيش اللبناني نفسه.

لكن بعدما قُطع فعلياً الطريق البري السوري إلى لبنان، سارعت إيران إلى البحث عن وسائل أخرى لتمويل الجماعة، بحسب مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين وأشخاص مطلعين على مالية «حزب الله».

ولجأت إيران إلى مطار بيروت، الذي كان يعمل لسنوات، فعلياً، تحت نفوذ «حزب الله»، وكان يُستخدم لتلقي التمويل والأسلحة الإيرانية، وفق مسؤول أمريكي ومسؤول لبناني رفيع مطلع على القضية.

لكن المسؤولين الأمريكيين والإسرائيليين كانوا يتعقبون هذا المسار.

وفي أوائل العام الماضي، نقل مسؤولون أمريكيون تحذيراً إسرائيلياً إلى الحكومة اللبنانية مفاده أن إيران كانت ترسل حقائب محشوة بالدولارات الأمريكية إلى «حزب الله» على متن رحلات مدنية متجهة إلى بيروت، وفي بعض الحالات كان دبلوماسيون إيرانيون يحملونها، بحسب مسؤولين لبنانيين اثنين ومسؤول إسرائيلي. ورفض مسؤولون أمريكيون التعليق على أسئلة أرسلتها نيويورك تايمز حول هذه الوقائع.

وأدى التحذير إلى تعليق لبنان جميع الرحلات القادمة من إيران، وهو إجراء لا يزال سارياً.

كما أُبعد موظفون في المطار مرتبطون بـ«حزب الله» عن مواقعهم، وعيّنت السلطات اللبنانية ضباط أمن يعملون بالتنسيق مع مسؤولين أمريكيين، بحسب مسؤول أمريكي ومسؤولين لبنانيين اثنين.

وعندما زار علي لاريجاني، مسؤول الأمن القومي الإيراني، لبنان في أغسطس الماضي، عكس اجتماعه مع رئيس الوزراء نواف سلام مدى التحول الذي طرأ داخل البلاد.

وقال سلام في مقابلة مع «نيويورك تايمز» بعد الزيارة بوقت قصير: «كانت رسالتنا للإيرانيين واضحة للغاية. لا يمكننا السماح للإيرانيين بالتدخل في شؤوننا الداخلية». وأضاف: «لم تكن هذه الكلمات موسيقى تطرب آذانهم».

وقُتل لاريجاني بعد أشهر في الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران.

لبنان يشدد الرقابة

بعد ذلك، وجهت واشنطن أنظارها إلى مصرف لبنان المركزي، وهو مؤسسة غامضة عملت لفترة طويلة مع قدر محدود من الرقابة. ويعتمد الاقتصاد اللبناني بدرجة كبيرة على التعاملات النقدية، وتقول وزارة الخزانة الأمريكية إن «حزب الله» استغل ذلك لغسل أموال غير مشروعة وتحويل التمويل من إيران.

وفي العام الماضي، عملت إدارة ترامب على التأثير في عملية تعيين حاكم جديد لمصرف لبنان، وفق مسؤول لبناني رفيع مطلع على العملية. ولم يرد مسؤولو الإدارة الأمريكية على طلبات التعليق بشأن دورهم.

وسرعان ما أظهر الحاكم الجديد، كريم سعيد، استعداده للتحرك ضد «حزب الله». فقد همّش أو أقال مسؤولين كباراً في المصرف يُشتبه بصلاتهم بالجماعة، وأمر بتفتيش مكتبه بحثاً عن أجهزة تنصت، ورفض استخدام أجهزة كمبيوتر صادرة عن المصرف بسبب مخاوف من المراقبة، وفق مسؤول رفيع في المصرف المركزي ومذكرة داخلية حصلت عليها «نيويورك تايمز».

ومع تولي الحاكم الجديد منصبه، بدأ المصرف المركزي تحقيقاً في أكبر شركات خدمات الأموال في البلاد، بشأن الاشتباه في استخدام «حزب الله» لها لتحويل الأموال، وفق وثائق داخلية اطلعت عليها الصحيفة والمسؤول الرفيع في المصرف المركزي.

ومنذ بدء التحقيق، شددت السلطات اللبنانية الرقابة على تحويلات الأموال.

وقال براين إي. نيلسون، المسؤول السابق البارز في وزارة الخزانة الذي أشرف على العقوبات المفروضة على الجماعة خلال إدارة بايدن: «كان حزب الله قادراً باستمرار على توليد مبالغ مالية كبيرة من خلال إساءة استخدام تلك الشبكات».

ومع تعرض شركات خدمات الأموال الكبرى لتدقيق أشد، واصل «حزب الله» الاعتماد بدرجة كبيرة على شبكة أقل تنظيماً من محال الصرافة، التي تحولت سريعاً إلى القناة الرئيسية التي تمول إيران الجماعة من خلالها، بحسب مسؤول دفاعي إسرائيلي رفيع وشخص آخر مطلع على مالية «حزب الله».

وقال المصدران إن الأموال تنتقل من إيران بشكل غير مباشر باستخدام نظام الحوالة، وهو آلية غير رسمية لتحويل الأموال بين وسطاء، من دون أن تعبر السيولة النقدية نفسها الحدود بالضرورة.

وعندما فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على صرافين لبنانيين في نوفمبر الماضي، قالت إن إيران كانت قد حولت بالفعل نحو مليار دولار إلى «حزب الله» خلال ذلك العام، معظمها عبر نظام الحوالة.

«حزب الله» يشعر بالضغط

ومع تسارع حملة التضييق، بدأت منظومة الرعاية الاجتماعية التابعة لـ«حزب الله» تظهر علامات إجهاد. وقال مسؤولون في الجماعة ومستفيدون من خدماتها لـ«نيويورك تايمز» إنه في حين لا تزال رواتب عشرات الآلاف من مقاتليها تُدفع إلى حد كبير، فقد تم تقليص بعض الخدمات الاجتماعية بينما تعيد الجماعة ترتيب أولويات إنفاقها.

وفي فبراير، قبل أسابيع من اندلاع الحرب الأخيرة بين إسرائيل و«حزب الله»، قالت وزارة الخزانة الأمريكية إن مسؤولين كباراً في «القرض الحسن»، البنك الفعلي لـ«حزب الله»، أنشأوا سلسلة من شركات تجارة الذهب لجمع السيولة.

وأظهرت سجلات مالية اطلعت عليها «نيويورك تايمز»، إلى جانب تقييمات محللين يتابعون اقتصاد «حزب الله» النقدي، أن مبيعات الذهب ارتفعت خلال العام الماضي.

كما ذكرت تقارير سابقة أن "حزب الله" بات يحاول فتح قنوات تمويل عبر شبكات العملات المشفرة.

وكان أحد أسباب سعي «حزب الله» إلى تحويل الذهب إلى سيولة هو أن الغارات الجوية الإسرائيلية دمرت جزءاً كبيراً من احتياطاته من العملات الأجنبية والذهب، بحسب مسؤولين إسرائيليين وأمريكيين.

وفي العام الماضي، منع لبنان المصارف وشركات الوساطة في البلاد من التعامل مع «القرض الحسن»، ما أدى إلى زيادة عزل «حزب الله» عن النظام المالي الرسمي. وتضغط إدارة ترامب حالياً على الحكومة اللبنانية لإغلاق المؤسسة بالكامل.

شارك المقال f 𝕏 in