تفكيك

ثلاث ساعات لا تصنع سلاماً..
لكنها كسرت الصمت بين واشنطن وطهران

واشنطن - سدن
23 سبتمبر 2026
ثلاث ساعات لا تصنع سلاماً..
لكنها كسرت الصمت بين واشنطن وطهران

واشنطن - سدن

لم تكن المفاوضات التي جرت على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك اتفاقاً، ولم ينتج عنها تنازل معلن من الولايات المتحدة أو إيران، لكنها كانت مع ذلك أهم تحول في المسار الأميركي–الإيراني منذ أشهر، لأن الطرفين اللذين أمضيا الفترة الماضية يتبادلان الضربات والتهديدات عادا إلى اختبار القناة السياسية.

وبحسب (رويترز)، فقد جرت محادثات غير مباشرة بطريقة (المكوكية) بين الوفدين، وسط توقعات محدودة ولكنها حقيقية بإمكان فتح مسار أوسع، فيما حرصت طهران سريعاً على خفض سقف التوقعات والتأكيد أنها لم تغير مواقفها الأساسية.

المفارقة أن الحوار جاء بعد ساعات من خطاب شديد اللهجة للرئيس الأميركي في الأمم المتحدة، هدد فيه إيران بعواقب عسكرية مدمرة إذا لم تتوصل إلى اتفاق، ودعا دول العالم إلى عزلها اقتصادياً، أي أن واشنطن أدارت، في اليوم نفسه تقريباً، مسارين متوازيين، هما التهديد العلني والتفاوض غير المباشر.

وهذه هي جوهر الاستراتيجية الأميركية الحالية، فالرئيس ترامب يريد أن يدخل أي تفاوض من موقع يقول فيه للإيرانيين إن البديل عن الاتفاق ليس العودة إلى الوضع السابق، وإنما استمرار الضغط العسكري والاقتصادي، وطهران، في المقابل، تريد أن تثبت أنها لا تدخل المفاوضات تحت الإكراه، ولذلك كانت تصريحاتها العلنية أكثر تحفظاً من الأجواء التي نقلها الوسطاء، فما يجري إذاً ليس انتقالاً من الحرب إلى السلام، بل محاولة لإعادة بناء (منطقة وسطى) بينهما.

 

وفي استعراض بسيط لتاريخ العلاقات الأميركية – الإيرانية، نجد أن أخطر المراحل كانت دائماً تلك التي اختفت فيها هذه المنطقة (الرمادية)، فحتى في أشد سنوات العداء، ظلت قنوات خلفية تعمل عبر سلطنة عمان وسويسرا والعراق ووسطاء آخرين، وهذا اللقاء يعتبر مهم الآن أكثر من أي وقت مضى.

فبعد أشهر من التصعيد، بات لدى الطرفين قوات وحلفاء وأصول عسكرية موزعة في مسرح واسع يمتد من الخليج إلى العراق وسوريا واليمن، وفي مثل هذا المشهد، يمكن لحادث محدود أن يتحول سريعاً إلى قرار استراتيجي لم يكن أي طرف يريده أصلاً.

لهذا تحمل الساعات الثلاث في نيويورك قيمة تتجاوز ما قيل خلالها، فقد أثبتت أن الاتصال ممكن، ولكن الطريق إلى اتفاق هو بالغ الصعوبة، لأن الخلاف لم يعد محصوراً في البرنامج النووي، فواشنطن تريد معالجة قدرة إيران النووية والصاروخية ونفوذها الإقليمي، بينما تنظر طهران إلى كثير من هذه الملفات باعتبارها أدوات الردع التي تمنع خصومها من فرض شروطهم عليها.

كما أن مشكلة الثقة أصبحت أعمق، فالإيرانيون يتذكرون انسحاب ترامب من الاتفاق النووي السابق، فيما تستحضر واشنطن سنوات التخصيب الإيراني والتوسع الإقليمي والهجمات التي نُسبت إلى حلفاء طهران، وهكذا كل طرف يريد ضماناً من الطرف الآخر، ولا يثق بأن الضمان سيبقى بعد تغير الظروف السياسية.

لهذا قد يكون النموذج الواقعي الأول اتفاقاً محدوداً لا تسوية تاريخية، تشمل ترتيبات تخص البرنامج النووي، وإجراءات لتخفيف التوتر في الخليج، وربما تفاهمات بشأن حركة الملاحة والطاقة، مقابل تخفيف مدروس لبعض الضغوط الاقتصادية.

كما ان أسواق النفط نفسها تراقب السياسة بقدر ما تراقب العرض والطلب، فمجرد ارتفاع احتمال التهدئة انعكس على حسابات المتعاملين، لأن أي تفاهم يقلل مخاطر الإمدادات الخليجية ومضيق هرمز.

لكن لا ينبغي تحميل لقاء نيويورك أكثر مما يحتمل.. فلا توجد حتى الآن صفقة أو تنازلات معلنة، ولا حتى دليل على أن الخلافات الأساسية اختفت.

المفاوضات لم تنه الأزمة الأميركية – الإيرانية، لكنها أعادت السياسة إلى طاولة كان صوت السلاح قد كاد يطردها منها بالكامل.

شارك المقال f 𝕏 in