بعد عام ونصف من مفاوضات اتسمت بالهدوء والحذر، نجحت دمشق وموسكو في الوصول إلى صيغة جديدة تعيد رسم الوجود الروسي في الساحل السوري، وتمنح الدولة السورية السيطرة على منشآت مدنية وتجارية ظلت لسنوات مرتبطة بالوجود العسكري الروسي، من دون الدخول في مواجهة سياسية مع موسكو أو التضحية بالعلاقة الاستراتيجية بين البلدين.
وأعلنت وزارة الخارجية السورية، الأحد، التوصل إلى مذكرة تفاهم تحدد مستقبل القاعدتين الروسيتين في حميميم وطرطوس، في واحدة من أهم التسويات التي تنجزها إدارة الرئيس أحمد الشرع منذ وصولها إلى السلطة.
ونقلت وكالة الأنباء السورية (سانا) عن إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الخارجية والمغتربين أن مصير القاعدتين حُسم بعد عام ونصف من المفاوضات والمباحثات المكثفة، موضحة أن المذكرة الجديدة ترسم ملامح المرحلة المقبلة للعلاقة بين دمشق وموسكو.
الدولة تعود إلى حميميم وطرطوس
وبموجب التفاهم، تبدأ عملية إعادة تنظيم شاملة للوجود الروسي في الساحل السوري، بعدما ارتبط هذا الوجود منذ سبتمبر 2015 بالتدخل العسكري الروسي الواسع لمساندة نظام بشار الأسد.
وتتمثل أبرز التحولات في انتقال إدارة المنشآت ذات الطبيعة المدنية إلى الدولة السورية، وفي مقدمتها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس، تمهيداً لإدخالهما ضمن منظومة الإدارة المدنية السورية.
أما المنشآت ذات الطابع العسكري، فاتفق الطرفان على إعادة تعريف وظيفتها، بحيث تتحول من قواعد عسكرية بالصيغة السابقة إلى مراكز مشتركة للتدريب والتأهيل، ضمن ترتيبات تراعي سيادة الدولة السورية وفي الوقت نفسه تحافظ على المصالح المشتركة مع روسيا.
وحددت المذكرة مهلة لا تتجاوز ثلاثة أشهر لاستكمال عملية التحويل، قبل دخول الترتيبات الجديدة حيز التنفيذ.
وبذلك، لا تتجه دمشق إلى إخراج موسكو من سوريا بقرار صدامي، بقدر ما تعمل على تغيير طبيعة وجودها: من انتشار عسكري يتمتع بمساحات واسعة من الاستقلالية إلى علاقة دولة بدولة تخضع لتفاهمات جديدة تضع المؤسسات السورية في مركز إدارة أراضيها ومنشآتها.
علاقة مع موسكو.. ولكن بقواعد دمشق الجديدة
وتكتسب الطريقة التي أدارت بها الحكومة السورية الملف أهمية لا تقل عن مضمون الاتفاق نفسه.
فمنذ التغيير السياسي في دمشق، امتنعت الإدارة الجديدة عن استهداف القاعدتين الروسيتين أو التعامل مع موسكو باعتبارها خصماً ينبغي تصفية حسابات الماضي معه، وفضلت بدلاً من ذلك الدخول في مفاوضات طويلة لإعادة صياغة العلاقة.
واعتمد الرئيس أحمد الشرع ونظيره الروسي فلاديمير بوتين خطاباً تصالحياً خلال المرحلة الماضية، مع تأكيد متبادل على الرغبة في الحفاظ على العلاقات السورية – الروسية وتطويرها على أسس جديدة.
وزار الشرع موسكو مرتين منذ وصوله إلى الحكم، كانت الأولى في 15 أكتوبر 2025، حيث عقد أول لقاء مع بوتين منذ إطاحة نظام الأسد، ثم عاد إلى العاصمة الروسية في 28 يناير 2026.
وخلال اللقاء الثاني، أشاد بوتين بجهود الشرع لاستعادة وحدة الأراضي السورية، فيما أكد الرئيس السوري أن لروسيا دوراً تاريخياً في استقرار سوريا والمنطقة.
وتكشف النتيجة التي انتهت إليها المفاوضات عن محاولة دمشق الفصل بين علاقتها بروسيا كدولة كبرى وبين طبيعة الامتيازات العسكرية التي حصلت عليها موسكو في عهد النظام السابق.
الوجود العسكري إلى الحد الأدنى
ويرى الباحث عبد الوهاب عاصي أن مذكرة التفاهم تقلص عملياً الوجود العسكري الروسي في سوريا إلى الحد الأدنى، خصوصاً مع تغيير وظيفة منشآت حميميم وطرطوس.
وبحسب عاصي، تفقد روسيا بموجب الترتيبات الجديدة الإدارة المستقلة لعدد من المنشآت، فضلاً عن إدارة الرصيف المدني التجاري والاستفادة منه بالشكل السابق.
لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن المذكرة لا تعني بالضرورة إغلاق ميناء طرطوس بالكامل أمام السفن الروسية، إذ لم توضح البنود المعلنة حتى الآن مصير حركة السفن التي كانت تستخدم الرصيف العسكري، الذي كان يتسع لنحو 11 سفينة بموجب اتفاق وقعه النظام السابق مع روسيا عام 2017.
مطار اللاذقية يعود إلى الطيران المدني السوري
وبالتزامن مع الإعلان السياسي، بدأت النتائج العملية للاتفاق تظهر سريعاً على الأرض.
فقد أعلنت الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي تسلم مطار اللاذقية الدولي، في خطوة وصفها رئيس الهيئة عمر حصري بأنها مهمة ضمن مسار استعادة المطارات السورية وإعادتها إلى منظومة الطيران المدني الوطني.
وباشرت الفرق المختصة عمليات التقييم الفني والتشغيلي للمطار ومرافقه وأنظمته، تمهيداً لإعداد خطة لإعادة التأهيل ورفع الجاهزية، وصولاً إلى إعادة استقبال الرحلات الجوية وفق معايير السلامة والتشغيل المعتمدة.
وكان مطار اللاذقية الدولي، المعروف سابقاً باسم (مطار باسل الأسد الدولي)، قد أصبح خلال سنوات التدخل الروسي شديد الارتباط بقاعدة حميميم العسكرية المجاورة.
وعملت القوات الروسية خلال تلك الفترة على توسعة المدارج وإنشاء بنية لوجستية ونشر منظومات دفاع جوي متطورة، فيما أدت الاعتبارات العسكرية والأمنية المرتبطة بالقاعدة إلى فرض قيود واسعة على استخدام المطار للأغراض المدنية والتجارية.
ولهذا، فإن إعادة المطار إلى الإدارة المدنية لا تحمل دلالة إدارية فحسب، بل تعني عملياً استعادة الدولة السورية لمنشأة استراتيجية ظلت حركتها مقيدة لسنوات بفعل الاستخدام العسكري الروسي للمنطقة.
وطرطوس أيضاً
وفي خطوة موازية، أعلنت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك أن الجانب السوري تسلم المواقع التجارية التي كان يشغلها الجانب الروسي داخل مرفأ طرطوس، بما في ذلك الرصيف رقم 4 والمستودعات والمنشآت التابعة له.
وجاء التسليم بعد سلسلة من المباحثات السورية – الروسية، فيما أجرى رئيس الهيئة قتيبة بدوي، برفقة وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني ومحافظ طرطوس أحمد الشامي والوفد المرافق، جولة داخل المرفأ للاطلاع على المنشآت والمرافق التي تشملها الترتيبات الجديدة.
وبذلك تتجمع نتائج المفاوضات في مشهد واحد: مطار يعود إلى الإدارة المدنية، ومنشآت تجارية في طرطوس تعود إلى الدولة، وقواعد عسكرية يعاد تعريف مهمتها، بينما تستمر العلاقة السياسية مع موسكو.
استعادة السيادة بلا استعراض
وربما تكون القيمة الحقيقية لهذا الاتفاق في الطريقة التي وصل بها السوريون إليه، فقد كان من السهل على دمشق الجديدة أن ترفع شعار إخراج الروس، وأن تحول القاعدتين إلى قضية ثأر سياسي مرتبطة بعلاقة موسكو بنظام بشار الأسد، وكان من السهل أيضاً أن تنقلب العلاقة السورية – الروسية إلى خصومة مفتوحة تحمل سوريا كلفتها السياسية والاقتصادية والأمنية.
لكن إدارة الرئيس أحمد الشرع اختارت الطريق الأصعب والأكثر براغماتية: استعادة ما تستطيع الدولة استعادته، والتفاوض على ما يحتاج إلى تفاوض، وعدم صناعة عدو جديد لمجرد تصفية حساب مع مرحلة انتهت.. والنتيجة بعد عام ونصف تستحق التوقف عندها.
دمشق تستعيد منشآتها المدنية والتجارية، وتعيد مطار اللاذقية إلى منظومة الطيران الوطني، وتسترجع مواقعها في ميناء طرطوس، وتخفض الطبيعة العسكرية للوجود الروسي إلى مستويات مختلفة جذرياً عن المرحلة السابقة، وفي الوقت نفسه تستقبل موسكو الرئيس السوري مرتين وتحافظ على قنواتها السياسية مع دمشق.
هذه ليست قطيعة مع روسيا، وليست خضوعاً لها.. إنها محاولة لإعادة العلاقة إلى حجمها الطبيعي: روسيا شريك لسوريا وليست صاحبة أرض فيها، والدولة السورية هي التي تدير موانئها ومطاراتها وتقرر شكل الوجود الأجنبي فوق أراضيها.
وهنا تحديداً تظهر فلسفة مختلفة في إدارة الدولة الجديدة، فاستعادة السيادة لا تحتاج دائماً إلى خطاب مرتفع أو أبواب تغلق بعنف، أحياناً تكون أكثر رسوخاً عندما يعود موظف سوري إلى مكتبه في المطار، ويرتفع العلم السوري فوق منشأة كانت خارج إدارته، وتصبح الكلمة الأخيرة في الميناء للدولة.
وإذا اكتملت بنود المذكرة خلال الأشهر الثلاثة المحددة، فإن ما جرى في حميميم وطرطوس لن يكون مجرد تعديل لاتفاق عسكري، بل خطوة إضافية في مسار أكبر تسعى فيه دمشق إلى إعادة جمع مفاتيح الدولة السورية، واحداً بعد الآخر، بيد السوريين.