حتى في الإجازة نواصل العمل..
لماذا أصبح (فعل لا شيء) مهارة فقدناها؟

حتى في الإجازة نواصل العمل..
لماذا أصبح (فعل لا شيء) مهارة فقدناها؟

لندن – سدن

ثمة مفارقة غريبة يعيشها الإنسان المعاصر، فهو يعمل طوال العام منتظراً إجازته، وحين تصل الإجازة، يحمل العمل معه.

الحاسوب المحمول في الحقيبة، البريد الإلكتروني في الهاتف، رسائل العمل لا تتوقف، والاجتماع الذي قيل إنه لن يستغرق أكثر من عشر دقائق يجد طريقه إلى صباح يفترض أنه مخصص للبحر أو العائلة أو النوم الطويل.

حتى أولئك الذين ينجحون في الابتعاد عن مكاتبهم، لا ينجحون بالضرورة في إخراج المكتب من رؤوسهم.

هذه هي الفكرة التي تنطلق منها الكاتبة إينوما أوكورو في مقال نشرته صحيفة (فايننشال تايمز)، تحت عنوان (عندما تكون في إجازة.. ابقَ في إجازة)، لتطرح سؤالاً يبدو بسيطاً، لكنه يمس واحدة من أكثر مشكلات الحياة الحديثة تعقيداً: لماذا أصبحنا نشعر بالذنب عندما لا نفعل شيئاً؟

تلاحظ أوكورو، مع حلول موسم الإجازات الصيفية، أن الأطفال يستطيعون الانتقال بسهولة إلى (وضع الإجازة)، بينما يجد الكبار صعوبة أكبر بكثير.

فدائماً هناك من يحاول دس يوم عمل أو ساعتين أو بعض الرسائل والاجتماعات داخل عطلته، وكأن الانفصال الكامل عن العمل أصبح نوعاً من الترف، أو ربما سلوكاً يحتاج إلى تبرير.

وترى الكاتبة أن الأسبوع الممتد بين عيد الميلاد ورأس السنة، عندما تغلق مكاتب كثيرة أبوابها، ربما يكون من اللحظات القليلة التي يسمح فيها المجتمع للإنسان بأن ينفصل فعلاً عن إيقاع العمل، لأن الجميع تقريباً متوقفون في الوقت نفسه.

أما في بقية أيام السنة، فقد أصبح مجرد «عدم الإنتاج» أمراً يصعب علينا تقبله.

عبادة الإنتاج

لا تنكر أوكورو أن بعض الوظائف والظروف تجعل الانفصال التام عن العمل مستحيلاً، لكنها تلتقط تحولاً أعمق: لقد أصبح الإنسان الحديث يقيس قيمة يومه بما أنجزه خلاله، فكم رسالة أجاب عنها؟ كم صفحة قرأ؟ كم كيلومتراً ركض؟ كم مهمة شطب من قائمته؟ وحتى الراحة نفسها دخلت في هذه المعادلة.

صرنا نريد إجازة «ناجحة»، وسفراً «مثالياً»، وجدولاً مليئاً بالأماكن والمطاعم والمتاحف والتجارب. وفي نهاية اليوم، قد نعود إلى الفندق مرهقين من الراحة نفسها.

لكن المفارقة، كما تشير الكاتبة، أن الإنتاجية طويلة الأمد لا تتعارض مع التوقف، بل تحتاج إليه، فالصحة النفسية والعاطفية والجسدية لا تستطيع الاستمرار إذا تعامل الإنسان مع أيام الراحة باعتبارها مجرد مكتب انتقل مؤقتاً إلى مكان أجمل، ومن هنا تستعين أوكورو بالفن لتفسير فكرتها.

امرأة على الأريكة لا تفعل شيئاً

تتوقف الكاتبة أمام لوحة «السيدة أوسلر» التي رسمها الفنان الإيرلندي جون لافري عام 1929.

تظهر جانيت أوسلر، زوجة المحامي الكندي هنري سميث أوسلر، مسترخية داخل غرفة واسعة في فيلتها في «كاب دانتيب» بجنوب فرنسا.

امرأة أنيقة، ترتدي عقداً من اللؤلؤ، تتمدد على الأريكة وقد وضعت ساقيها فوقها، بينما تستند بيديها خلف رأسها وترتسم على وجهها ابتسامة هادئة.

حقيبتها ملقاة قرب المدفأة، بما يوحي بأنها ربما عادت للتو من مناسبة اجتماعية.

لا كتاب بين يديها.. لا أوراق.. لا هاتف بالطبع، لا شيء ينبغي إنجازه.. إنها فقط جالسة.

وتعترف أوكورو بأن المشهد ينتمي بوضوح إلى حياة امرأة ثرية ومرفهة، لكن ما يجذبها في اللوحة ليس حياة الطبقة المخملية، وإنما تلك الجرأة البسيطة على الاسترخاء الكامل.

فالمرأة لا تبدو وكأنها تستريح كي تستعيد طاقتها للعمل غداً، إنها تستريح لأن الراحة نفسها تستحق أن تُعاش.

وهنا تبرز فكرة ربما تبدو شبه ثورية في عصرنا: أحياناً، عدم فعل أي شيء أمر جيد بحد ذاته.

فالذين تمتلئ أيامهم بالعمل والمواعيد والأطفال والالتزامات والمطالب التي لا تنتهي، ربما يحتاجون أحياناً إلى إجازة لا يحدث فيها شيء يستحق أن يوضع على «إنستغرام»، مثل الجلوس على أريكة، رفع القدمين، النظر إلى الفراغ وترك الوقت يمر.

حتى الإجازة أصبحت مشروعاً

المشكلة أن ثقافة الإنجاز تسللت إلى أوقات الراحة نفسها، فعندما يسافر الإنسان إلى مدينة جديدة يضع قائمة بعشرين مكاناً يجب أن يزورها، وخمسة مطاعم يجب تجربتها، ومتحفين يجب دخولهما، ورحلة صباحية وأخرى مسائية.. ثم يعود من الإجازة محتاجاً إلى إجازة.

ولهذا تقول أوكورو إن الامتناع عن العمل أثناء العطلة لا يعني بالضرورة استبدال العمل ببرنامج مكتظ بالنشاطات، فأحياناً يكون «الوجود» وحده ممتعاً بقدر «الفعل».

أي نوع من الراحة نحتاج إليه أصلاً؟

فليس الجميع بحاجة إلى النوع نفسه من الإجازات، قد يحتاج شخص إلى ثلاثة أيام لا يفعل فيها شيئاً سوى القراءة، وقد يحتاج آخر إلى الحركة والنشاط الجسدي للتخلص من التوتر المتراكم، وثالث ربما تكون إجازته المثالية ثلاثة أيام في منزل مع أصدقائه، يطبخون ويتحدثون ويتناولون وجبة طويلة بعد أخرى.

ليست هناك وصفة واحدة للراحة، المهم أن يعرف الإنسان حالته قبل أن يختار العلاج.

أحياناً نسأل: أين سنسافر؟

لكن ربما ينبغي أن يسبق ذلك سؤال آخر:

ماذا أحتاج؟

إذا كنت مرهقاً جسدياً، فقد لا تحتاج إلى برنامج سياحي يبدأ السابعة صباحاً.

وإذا كنت مستنزفاً ذهنياً، فربما لا تحتاج إلى عشرين معلماً سياحياً، بل إلى مكان هادئ وكتاب.

وإذا كنت قد أمضيت أشهراً منعزلاً بسبب العمل، فقد تكون حاجتك الحقيقية هي الأصدقاء والضحك والعشاء الطويل، وليس الوحدة على شاطئ بعيد.

الإجازة، بهذا المعنى، ليست مكاناً بقدر ما هي استجابة لحالة.

لماذا نخاف من الفراغ؟

يمكن دفع فكرة أوكورو خطوة أبعد، فالمشكلة ربما لا تتعلق بالعمل وحده، وإنما بعلاقتنا الجديدة مع الفراغ، فقبل سنوات طويلة، كان انتظار صديق في مقهى يعني الجلوس وانتظاره.

الوقوف في طابور يعني الوقوف.

ركوب سيارة أجرة يعني النظر عبر النافذة.

أما اليوم، فإن كل فراغ صغير يُملأ فوراً.. الهاتف.. الأخبار.. البريد الالكتروني.. منصات التواصل.. مقاطع الفيديو.. الرسائل.

لم يعد العقل يحصل إلا نادراً على تلك الدقائق التي لا يُطلب منه خلالها أن يستهلك شيئاً أو ينتج شيئاً.

ولذلك قد تبدو صورة امرأة متمددة على أريكة في لوحة تعود إلى عام 1929 أكثر غرابة اليوم مما كانت عليه قبل قرن.

ليس لأنها ثرية، ولا لأنها في فيلا على الريفييرا الفرنسية، وإنما لأنها تبدو مرتاحة تماماً مع فكرة أنها لا تفعل شيئاً.

ثقافة الانتاج

 

ربما تكون المشكلة الكبرى في ثقافة الإنتاج الحديثة أنها لم تكتفِ بالاستيلاء على ساعات العمل، بل استولت أيضاً على تعريفنا للراحة.

فقد أصبحنا نرتاح لكي نعود أكثر إنتاجية، وننام لكي نعمل أفضل، ونسافر لكي «نعيد شحن البطارية».

حتى اللغة التي نصف بها الراحة أصبحت لغة عمل.

لكن ماذا لو لم تكن الإجازة محطة صيانة للموظف؟

ماذا لو كان من حق الإنسان أن يستريح، ببساطة، لأنه إنسان؟

عندما تذهب في إجازة، لا تأخذ معك نسخة مصغرة من حياتك التي ذهبت في إجازة منها.

وأحياناً، قد يكون أكثر شيء «منتج» تستطيع فعله في يوم كامل هو ألا تنتج شيئاً على الإطلاق.