بغداد – سدن
تستعد الحكومة العراقية لنقل معركة حصر السلاح من البيانات والتفاهمات السياسية إلى الأرض، عبر خطة أمنية غير مسبوقة تستهدف استعادة السيطرة على مواقع ظلت، لسنوات، عصية على النفوذ الكامل للمؤسسات الرسمية، لكن من دون اقتحامات واسعة أو فتح أبواب مواجهة مسلحة قد تكون كلفتها باهظة على الدولة والمجتمع.
فقد كشفت معلومات حصلت عليها صحيفة (الشرق الأوسط) السعودية اللندنية من مصادر عراقية، عن خطة تقوم على الاقتراب التدريجي من المراكز القيادية لفصائل يديرها الحرس الثوري الإيراني، وتطويقها بالقوات النظامية، وإحكام الرقابة على طرق إمدادها، وصولاً إلى تفكيك قدرتها العسكرية خطوة بعد أخرى.
وبحسب المصادر، فإن مسؤولين إيرانيين يحاولون عرقلة تنفيذ الخطة أو تأجيلها، فيما تبدو الحكومة العراقية ماضية في مسار صمم بعناية لتجنب الحرب الداخلية، من دون التراجع عن الهدف النهائي المتمثل في إنهاء وجود مراكز قوة مسلحة تعمل خارج السيطرة الفعلية للدولة.
الجيش والنخبة حول المقرات
وتقوم المرحلة الأولى على نشر تشكيلات من الجيش العراقي وجهاز مكافحة الإرهاب ووحدات نخبة في محيط عدد من مراكز العمليات التابعة للفصائل، إلى جانب السيطرة على الطرق والمحاور التي تربط هذه المواقع بمناطق أخرى.
ولا تستهدف هذه التحركات، وفق المصادر، اقتحام المقرات منذ اللحظة الأولى، بل تغيير البيئة المحيطة بها بالكامل، بحيث تصبح حركة السلاح والأفراد والإمدادات مرصودة من القوات الحكومية.
ومن المقرر أن تنتشر مفارز تفتيش بإمرة ضباط على الطرق المؤدية إلى تلك المواقع، تتولى مراقبة المركبات والشحنات ومصادرة الأسلحة التي يجري نقلها، مع تركيز استخباري وأمني خاص على الصواريخ والطائرات المسيرة.
وتريد بغداد، بهذه الآلية، الوصول إلى نتيجة مختلفة عن المواجهات السابقة، فبدلاً من أن تدخل القوات الحكومية إلى المقر المسلح، يصبح المقر نفسه محاطاً بالقوات الحكومية، فيما تضيق تدريجياً قدرته على الحركة والتسليح والإمداد.
وتصف مصادر مطلعة جوهر الخطة بأنه عملية تقييد متدرجة يمكن أن تستمر على مراحل، بحيث لا تمنح الفصائل ذريعة فورية للذهاب إلى الصدام، وفي الوقت ذاته لا تترك لها حرية العمل التي تمتعت بها خلال السنوات الماضية.
وتقوم الفكرة على وضع الفصائل أمام خيارات تضيق بمرور الوقت، فإما أن تحاول نقل أسلحة أو مسيرات فتضبطها القوات النظامية، أو تبادر إلى الاحتكاك بالقوات وتتحمل مسؤولية بدء المواجهة، أو تنسحب تدريجياً من المواقع وتسلمها إلى المؤسسات الرسمية.
وقال مصدر مطلع على النقاشات المتعلقة بسلاح الفصائل التي يديرها الحرس الثوري الإيراني، إن القوات الحكومية ستتدرج بصورة منهجية في إجراءات التقييد، وصولاً إلى مرحلة يصبح فيها فرض السيطرة على تلك المواقع ممكناً، بعدما ظل دخول بعضها بالغ الصعوبة طوال سنوات.
ولم تأت هذه المقاربة من فراغ، إذ توصلت إليها قيادات سياسية وعسكرية بعد نقاشات مكثفة حول كيفية فرض سلطة الدولة من دون الانزلاق إلى حرب بين القوات النظامية والفصائل.
التجربة بدأت قبل انتهاء المهلة
وفي مؤشر إلى أن بغداد لا تنتظر نهاية أيلول كي تختبر أدواتها الجديدة، قالت مصادر ميدانية للصحيفة إن قوات من الجيش وجهاز مكافحة الإرهاب بدأت، منذ مطلع الأسبوع الجاري، نشر ضباط في مفارز مراقبة بعدد من المناطق والطرق السريعة.
ويمثل هذا الانتشار، وفق المصادر، مرحلة تجريبية للخطة الأكبر التي ينتظر توسيعها بعد انتهاء المهلة الحكومية.
والأهم أن الاختبار الأول أنتج نتائج ميدانية بالفعل، إذ أكدت المصادر نجاح بعض المفارز خلال الأسابيع القليلة الماضية في ضبط شحنات من الطائرات المسيرة كانت في طريقها إلى نقاط مختلفة داخل العراق.
وتشير تقديرات استخبارية، وفق المعلومات التي أوردتها (الشرق الأوسط)، إلى أن بعض المسيرات التي ضبطت، وكذلك طائرات استخدمت سابقاً في استهداف مواقع مختلفة، ترتبط بمراكز تحكم موجودة داخل المواقع التي تشملها الخطة الحكومية.
جرف الصخر.. العقدة الأكبر
وفي مقدمة المناطق التي ستخضع للتركيز الأمني تأتي جرف الصخر، التي تعد منذ عام 2014 واحداً من أهم معاقل (كتائب حزب الله) وأكثر المناطق إثارة للجدل في خريطة النفوذ المسلح بالعراق.
وتشير المعلومات المتداولة منذ سنوات إلى أن المنطقة تضم معسكرات ومخازن ومنشآت عسكرية وسجوناً، فضلاً عن مرافق مرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، بينما تعتقد مصادر عراقية أنها تحولت إلى مركز عمليات مهم للحرس الثوري الإيراني.
وتنبع حساسية جرف الصخر من كونها لا تمثل مجرد مقر لفصيل مسلح، بل منطقة جغرافية كاملة ظل الوصول الرسمي إليها وإخضاعها للرقابة الحكومية المباشرة من أكثر الملفات تعقيداً منذ سنوات.
جرف النداف.. العملية التي غيرت الخطة
وعلى الطرف الآخر من العاصمة، تدخل جرف النداف، الواقعة جنوب شرقي بغداد قرب طريق بغداد – المدائن، في صميم الحسابات الأمنية الجديدة، بسبب ما تضمه من مقرات ومنشآت مرتبطة بـ(حركة النجباء) وفصائل أخرى تابعة للحرس الثوري الايراني.
وبرز اسم المنطقة بصورة أكبر خلال السنوات الأخيرة مع معلومات أمنية عن وجود منشآت لتخزين الأسلحة والذخائر ونشاط مرتبط بالطائرات المسيّرة.
وفي تموز/يوليو الماضي، تحركت قوة أمنية مشتركة باتجاه مقر يعتقد أنه تابع لـ(حركة النجباء)، بعدما أشارت معلومات إلى وجود منشأة لتصنيع المسيرات استخدمت لإطلاق طائرات نحو أهداف مختلفة.
وشاركت في العملية قوات من قيادة عمليات بغداد والشرطة الاتحادية ومديرية أمن الحشد الشعبي، لكنها انتهت بانسحاب القوة من دون تفتيش الموقع.
ولم تمر الحادثة، وفق المصادر، بوصفها محاولة أمنية فاشلة فحسب، بل تحولت إلى درس أعاد صياغة الاستراتيجية الحكومية برمتها.
وقال مصدر سياسي مطلع، إن ما حدث في جرف النداف منح القيادات العسكرية تصوراً واضحاً عن صعوبة عمليات الاقتحام المباشر، ودفعها إلى الانتقال من فكرة دخول المقرات بالقوة إلى استراتيجية تطويقها والسيطرة على منافذ الوصول إليها.
وبمعنى آخر، بدلاً من اختبار من يملك القوة الأكبر داخل المقر، تريد الحكومة أن تختبر قدرة المقر على الاستمرار عندما تصبح الطرق من حوله في يد الدولة.
الخريطة لا تنتهي عند بغداد
ولا تقتصر مواقع الفصائل المستهدفة بإجراءات إعادة ضبط الانتشار على الحزام المحيط بالعاصمة، إذ تمتد الخريطة إلى مواقع في طوزخورماتو وآمرلي بمحافظة صلاح الدين، ومعسكر أشرف في ديالى، ومواقع أخرى في مدينة الكوت بمحافظة واسط.
غير أن جرف الصخر وجرف النداف تحظيان بأولوية استثنائية، بسبب ثقلهما العسكري وقربهما من بغداد وما تمثلانه من أهمية في شبكة انتشار الفصائل.
ونقلت الشرق الأوسط عن مسؤول سياسي كبير قوله إن الانتشار الذي بنته الفصائل التي يديرها الحرس الثوري خلال السنوات الماضية يؤدي مهمتين أساسيتين.
الأولى، تتمثل في الاحتفاظ بمواقع قريبة من العاصمة بما يوفر قدرة سريعة على التدخل عند الحاجة، وهو ما يفسر كثافة وجودها في نقاط استراتيجية حول بغداد.
أما المهمة الثانية، بحسب المسؤول نفسه، فتتمثل في تضييق الخناق على مناطق ذات غالبية سنية من خلال السيطرة على عقد جغرافية مهمة، ولا سيما المحاور الممتدة باتجاه الحدود السورية.
ولا تتوقف الخطة الحكومية عند محاصرة مواقع محددة أو منع حركة المسيرات والصواريخ، بل تتصل بإعادة ترتيب أوسع لخريطة القوة المسلحة في البلاد.
وأكدت المصادر أن تطويق منشآت الفصائل وتقييد حركتها ليس سوى جزء من برنامج يشمل إخراج ألوية الحشد الشعبي من المدن وإعادة توزيعها وفق خطة تضعها القيادة العسكرية الرسمية، بمعزل عن إرادة قادة الفصائل.