دمشق – سدن
بعد خمسة عشر عاماً من تلك الأيام التي تحولت فيها أسماء أطفال درعا إلى واحدة من الشرارات الأولى للثورة السورية، عاد اسم عاطف نجيب إلى الواجهة من بوابة مختلفة تماماً، الرجل الذي كان يرأس فرع الأمن السياسي في المحافظة، وأحد أبرز الوجوه الأمنية في نظام بشار الأسد، وجد نفسه هذه المرة واقفاً أمام القضاء، يستمع إلى شهادات ضحايا وشهود واتهامات بالقتل والتعذيب والاعتقال التعسفي وجرائم ضد الإنسانية.
تسع جلسات امتدت من 26 نيسان / أبريل) حتى 11 آب /أغسطس 2026 كانت كافية لنقل القضية من ملف اتهام ثقيل إلى حكم بالإعدام، لم يطل نجيب وحده، بل امتد غيابياً إلى بشار الأسد وشقيقه ماهر وآخرين من مسؤولي النظام البائد، في قضية باتت تمثل أحد أبرز الاختبارات القضائية لمسار العدالة الانتقالية في سوريا الجديدة.
وبحسب تقرير نشرته وكالة الأنباء السورية (سانا)، مرت القضية بمراحل الاستجواب وسماع الشهود ومناقشة الأدلة والمرافعات الختامية، قبل أن تصل محكمة الجنايات الرابعة في دمشق إلى حكمها، مستندة إلى شهادات الضحايا ووثائق رسمية وتقارير طبية ومواد مصورة وأدلة أخرى عرضت خلال المحاكمة.
البداية.. سقوط أحد أبرز رجال أمن الأسد
بدأ الطريق إلى قاعة المحكمة في 31 كانون الثاني 2025، عندما أعلنت مديرية الأمن العام في محافظة اللاذقية إلقاء القبض على العميد عاطف نجيب، في عملية نفذت بالتعاون مع القوى العسكرية.
ولم يكن المعتقل اسماً عادياً في هرم النظام السابق، فنجيب، ابن خالة بشار الأسد، تولى رئاسة فرع الأمن السياسي في درعا عندما بدأت أحداث عام 2011، وارتبط اسمه منذ ذلك الوقت باتهامات واسعة بارتكاب انتهاكات ضد المدنيين.
وسبق أن أدرجته الولايات المتحدة على قائمة العقوبات في 29 نيسان 2011، ثم أدرجه الاتحاد الأوروبي على قوائم عقوباته في أيار من العام نفسه، على خلفية دوره في الانتهاكات التي شهدتها سوريا.
وبعد اعتقاله، انتقل الملف من الملاحقة الأمنية إلى القضاء، لتبدأ واحدة من أبرز المحاكمات المتعلقة بمسؤولي النظام السابق منذ سقوطه.
درعا تعود إلى المحكمة
في قلب ملف الاتهام حضرت درعا بكل ثقلها، فقد نسبت النيابة إلى نجيب مسؤوليات مباشرة ومشتركة عن انتهاكات ارتكبتها الأجهزة الأمنية خلال بدايات الثورة، من بينها اعتقال أطفال وطلاب مدارس، وقمع الاحتجاجات السلمية، والقتل والتعذيب والاحتجاز التعسفي.
وشملت القضية أحداث مدينة درعا ومحيط المسجد العمري، وما رافقها من استخدام للرصاص الحي وسقوط قتلى وجرحى من المدنيين، فضلاً عن وقائع تتعلق بما تعرض له معتقلون داخل مراكز الاحتجاز.
وهكذا، لم تكن المحاكمة بحثاً في المسؤولية عن حادثة منفردة، وإنما محاولة قضائية لإعادة بناء سلسلة من الوقائع التي شكلت جزءاً من الأيام الأولى للأحداث السورية عام 2011، وتحديد المسؤولية الجنائية للأشخاص الذين كانوا يتولون القرار الأمني آنذاك.
الجلسة الأولى.. الأسد ينادى عليه أمام القضاء
في 26 نيسان 2026، بدأت المحاكمة رسمياً أمام محكمة الجنايات الرابعة في القصر العدلي بدمشق، بحضور النائب العام للجمهورية المستشار حسان التربة، وعدد من ذوي الضحايا القادمين من درعا، إلى جانب محامين وممثلين عن وسائل الإعلام ومنظمات حقوقية.
وفي الجلسة الأولى، تثبتت المحكمة من هوية عاطف نجيب، قبل أن تنادي على أسماء المتهمين الفارين من وجه العدالة.
وكان في مقدمتهم بشار الأسد وماهر الأسد وفهد جاسم الفريج وآخرون.
كما جرى تثبيت المدعين الشخصيين من عائلات الضحايا، مع تأكيد المحكمة إمكانية اتخاذ تدابير خاصة لحماية الشهود عند الحاجة.
الجلسة الثانية.. الاتهامات وجهاً لوجه
وفي 10 أيار (مايو)، انتقلت القضية إلى مرحلة الاستجواب المباشر.
واجهت المحكمة نجيب بالاتهامات المتعلقة بمسؤوليته القيادية المباشرة والمشتركة عن ممارسات قالت النيابة إنها اتخذت طابعاً ممنهجاً ضد المدنيين في درعا، وشملت القتل والتعذيب والاعتقال التعسفي وقمع الاحتجاجات.
وفي الوقت ذاته، ثبتت المحكمة غياب المتهمين الفارين وقررت السير بحقهم غيابياً، إلى جانب تجريدهم من الحقوق المدنية ووضع أموالهم المنقولة وغير المنقولة تحت إدارة الحكومة، استناداً إلى المادة 322 من قانون أصول المحاكمات الجزائية.
أبواب مغلقة لحماية الشهود
ومع دخول المحاكمة جلستها الثالثة في 19 أيار، بدأت مرحلة أكثر حساسية، إذ أغلقت المحكمة أبوابها بسبب طبيعة الوثائق والمعلومات المعروضة ووجود أسماء شهود محميين ومواد سرية.
وعرضت خلال الجلسة صور ومقاطع مصورة تتعلق بالضحايا، ضمن ملف الإثبات الذي قدم أمام هيئة المحكمة.
وتكرر الإجراء في الجلسة الرابعة، التي عقدت في 23 حزيران (يونيو)، عندما استمعت المحكمة خلف أبواب مغلقة إلى شهادات عدد من شهود الحق العام بعد أدائهم اليمين القانونية.
وبحسب مدير إدارة المحاسبة والمساءلة في الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية المحامي رديف مصطفى، استمعت المحكمة إلى 13 شاهداً، بينهم شاهد سري حمل الرمز «01».
وتناولت الإفادات وقائع تتعلق بالاعتقال خارج القانون والقتل والتعذيب الممنهج، إضافة إلى انتهاكات طالت أطفالاً كانوا يمثلون نسبة مهمة من المعتقلين.
وكشف مصطفى أن إحدى الشهادات تضمنت إفادات بشأن انتهاكات جسدية وجنسية تعرض لها معتقلون داخل أحد الفروع الأمنية في درعا، فيما واصل نجيب إنكار الاتهامات وشهادات الضحايا.
الشهود يتوالون.. والدفاع يقدم شاهده
وفي الجلسة الخامسة، في 14 تموز (يوليو)، استكملت المحكمة الاستماع إلى شهود الحق العام وربط إفاداتهم بالأدلة والقرائن الموجودة في ملف الدعوى، مع تمكين الدفاع من مناقشتها.
وتواصل المسار في 21 تموز خلال الجلسة السادسة، بحضور ذوي ضحايا من درعا وأعضاء في الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية وممثلين عن منظمات قانونية وإنسانية دولية.
أما الجلسة السابعة، التي عقدت في 28 تموز، فخصصت للاستماع إلى شاهد طلب الدفاع حضوره، في خطوة أتاحت للمتهم تقديم ما لديه ضمن إجراءات الإثبات قبل انتقال القضية إلى المرافعات النهائية.
النيابة تطلب الإعدام
وفي 4 آب (أغسطس)، وصلت المحاكمة إلى منعطفها الأخير.
خلال الجلسة الثامنة، قدم ممثل النيابة العامة مرافعته الختامية، مطالباً بإدانة نجيب والمتهمين الفارين الواردة أسماؤهم في القضية، وفي مقدمتهم بشار وماهر الأسد، بجرائم القتل والتعذيب والاعتقال التعسفي وإهدار المال العام.
وطلبت النيابة إنزال أقصى عقوبة ينص عليها القانون بحق المتهمين، وهي الإعدام، مؤكدة أن الأدلة المقدمة أمام المحكمة مترابطة ومتماسكة.
وقدم محامي الدولة مذكرة من صفحتين، في مقابل مذكرة دفاعية من 12 صفحة طالب فيها محامي نجيب بالتطبيق الدقيق للقانون.
ومنح نجيب حق الكلمة الأخيرة، فطلب من المحكمة «العدل والإنصاف»، قبل أن تقرر هيئة المحكمة ضم أقواله إلى إفادته السابقة وإحالة الملف إلى التدقيق تمهيداً للنطق بالحكم.
الجلسة التاسعة.. الإعدام
وفي الثلاثاء 11 آب، امتلأت قاعة محكمة الجنايات الرابعة بالمشهد الأخير من القضية، برئاسة القاضي فخر الدين العريان، وبحضور النائب العام للجمهورية المستشار حسان التربة ورئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية عبد الباسط عبد اللطيف وأعضاء منها وممثلين عن منظمات قانونية وإنسانية دولية وذوي الضحايا، أصدرت المحكمة حكمها، وقضت بتجريم عاطف نجيب والحكم عليه بالإعدام.
ولم يتوقف الحكم عند المتهم الموجود داخل القاعة، إذ جرمت المحكمة بشار حافظ الأسد وشقيقه ماهر وآخرين من المتهمين الفارين، وأدانتهم بجناية القتل العمد والقصد لأكثر من شخص ولأطفال، والتعذيب والاعتقال التعسفي وارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وحكمت عليهم بالإعدام.
واستند القرار، إلى مجموعة واسعة من الأدلة، شملت شهادات شهود الحق العام والمدعين الشخصيين، والوثائق الرسمية والتقارير الطبية والمواد الصوتية والمصورة، إلى جانب تقارير دولية موثقة.
وتوقفت المحكمة عند موقف نجيب نفسه خلال المحاكمة، مشيرة إلى أنه أنكر جميع الجرائم المنسوبة إليه، رغم ما اعتبرته المحكمة تعارضاً بين إنكاره وبين الوقائع والأدلة المثبتة في الدعوى.
كما أشارت إلى أنه، حتى أثناء مواجهته بضحاياه، لم يبدِ ندماً أو يقدم اعتذاراً، وهو ما دفعها إلى عدم منحه أياً من أسباب التخفيف التقديرية.
الحكم صدر.. لكن القضية لم تنتهِ
النطق بإعدام نجيب لا يعني إغلاق الملف، فجزء أساسي من القضية يتعلق برجال النظام السابق الموجودين خارج قبضة القضاء، وفي مقدمتهم بشار وماهر الأسد، وهو ما ينقل المعركة القانونية من قاعة المحكمة في دمشق إلى ملاحقة المحكومين الفارين.
وأكد النائب العام للجمهورية المستشار حسان التربة أن محاكمات رموز النظام البائد ستتواصل، وأن السلطات المختصة ستعمل مع منظمة الشرطة الجنائية الدولية «الإنتربول» لتنفيذ مذكرات الاعتقال وإجراءات التسليم وفق الأصول القانونية.
وبذلك تفتح القضية الباب أمام اختبار أكبر: قدرة الدولة السورية الجديدة على تحويل الأحكام الغيابية بحق الفارين إلى ملاحقات قانونية عابرة للحدود.
ثلاثة مستويات للمسؤولية
وفي قراءة قانونية للحكم، أوضح المحامي عمار عز الدين لـ*«سانا»* أن المحكمة بنت مقاربتها على ثلاثة أنماط من المسؤولية الجنائية: المسؤولية الفردية، والمسؤولية المشتركة أو «المشروع الإجرامي المشترك»، ومسؤولية القادة.
وأضاف أن توصيف الجرائم استفاد من مبادئ القانون الجنائي الدولي ونظام روما الأساسي، ولا سيما ما يتعلق بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، مع بقاء القانون الوطني أساس الولاية القضائية واستخدام القانون الدولي مكملاً في توصيف الأفعال.
ويرى مختصون سوريون في القانون الجنائي الدولي والعدالة الانتقالية أن اعتماد قانون أصول المحاكمات الجزائية، وضمان حق الدفاع والاستماع إلى شهوده وحماية بعض الشهود ومناقشة الأدلة، عناصر أساسية في بناء مسار قضائي يستهدف المحاسبة مع مراعاة ضمانات المحاكمة.
أبعد من عاطف نجيب
وتنظر الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية إلى القضية باعتبارها جزءاً من مسار أكبر لا ينتهي بإصدار أحكام العقوبة، بل يشمل كشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين، وجبر ضرر الضحايا، وحفظ الذاكرة الوطنية، وبناء ضمانات تمنع تكرار الانتهاكات.
ولهذا اكتسبت محاكمة عاطف نجيب اهتماماً إعلامياً وحقوقياً عربياً ودولياً منذ جلستها الأولى؛ فهي من القضايا المبكرة التي تختبر انتقال سوريا من توثيق انتهاكات النظام البائد إلى وضع المسؤولين عنها أمام القضاء السوري.
وبين 2011 و2026 تغير المشهد بالكامل: الرجل الذي كان يجلس في مكتب أمني في درعا أصبح متهماً داخل قفص المحكمة في دمشق، والأسماء التي كانت في قمة السلطة باتت تُنادى بوصفها متهمين فارين من العدالة.
أما أطفال درعا، الذين بدأت معهم واحدة من أكثر صفحات سوريا إيلاماً، فقد عاد ملفهم بعد خمسة عشر عاماً إلى المكان الذي كان يفترض أن يصل إليه منذ البداية: أمام قاضٍ، وشهود، وأدلة، وحكم باسم القانون.