بارزاني يقسم على العزلة..
العراق أمام لحظة الاختيار بين الدولة والفصائل

بارزاني يقسم على العزلة..
العراق أمام لحظة الاختيار بين الدولة والفصائل

أربيل – سدن

في واحدة من أكثر مواقفه وضوحاً وحسماً تجاه ملف السلاح خارج الدولة، أطلق رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني، مساء الأربعاء، تحذيراً استثنائياً من أن العراق قد يجد نفسه أمام عزلة دولية ما لم يحسم ملف الفصائل المسلحة، مؤكداً أن حصر السلاح ليس مطلباً أميركياً ولا التزاماً تجاه واشنطن، بل قضية عراقية تتصل بمستقبل الدولة وسيادتها وعلاقاتها مع محيطها.

واختار بارزاني لغة نادرة في حدتها حين قال خلال مقابلة صحفية: "أقسم، أن العراق سيتعرض لعزلة دولية إذا لم يحسم ملف الفصائل"، متسائلاً عن المنطق الذي يسمح لفصائل باستهداف دول الجوار من دون مبرر، وتعريض علاقات العراق مع أشقائه للخطر.

لكن رئيس الإقليم حرص في الوقت نفسه على رسم خط واضح بين موقفه من السلاح المنفلت وبين مؤسسة الحشد الشعبي، مؤكداً احترام إقليم كوردستان لتضحيات الحشد والجيش العراقي، إلى جانب قوات البيشمركة، في الدفاع عن العراق ومواجهة الإرهاب.

وقال إن الحشد الشعبي مؤسسة حكومية أُنشئت بموجب القانون، مضيفاً: "نكن لهم كل الاحترام ولتضحياتهم في الدفاع عن العراق".

وأشار بارزاني إلى أن المسؤولين في بغداد يؤكدون باستمرار وجود فارق بين الحشد الشعبي والفصائل، لكنه لفت إلى أن الإشكالية تبقى قائمة ما دامت قوى مسلحة تتلقى تمويلها من الدولة، بينما تتحرك في بعض الملفات بعيداً عن قرارها.

ووضع رئيس الإقليم المسألة في إطار يتجاوز الخلافات السياسية والحزبية، قائلاً إن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يطرحه العراقيون هو: "العراق إلى أين يذهب؟".

وأضاف أن العراقيين، من بغداد والبصرة وصولاً إلى زاخو، موجودون جميعاً في سفينة واحدة، وأن أي تصرف مسلح يهدد مصالح العراق أو علاقاته الخارجية ستكون تداعياته على البلاد بأكملها، لا على طرف سياسي أو منطقة بعينها.

وفي هذا السياق، وجه بارزاني انتقاداً صريحاً للهجمات التي تنطلق من الأراضي العراقية باتجاه دول المنطقة، مشدداً على أن تهديد الأردن والسعودية والإمارات وقطر والبحرين، إلى جانب استهداف إقليم كوردستان، لا يمكن أن يكون في مصلحة العراق أو مستقبله.

وأكد أن موقف أربيل لا ينطلق من خصومة شخصية أو حساب سياسي، بل من رؤية لمصلحة الدولة العراقية، مذكراً بأن البرنامج الحكومي الذي تقدم به رئيس الوزراء علي الزيدي عند تشكيل حكومته نص بوضوح على حصر السلاح بيد الدولة.

وشدد بارزاني على أن جميع القوات المسلحة ينبغي أن تكون تحت مظلة القائد العام للقوات المسلحة، وأن تخضع لأوامره ولقرار المؤسسات الدستورية، داعياً إلى الإسراع في إيجاد معالجة نهائية لملف الفصائل.

وفي واحدة من أكثر العبارات دلالة في حديثه، أعاد رئيس إقليم كوردستان النقاش إلى أصل الأزمة، متسائلاً: "من الذي يحكم في العراق؟ هل رئيس الوزراء هو الذي يحكم، أم القوى السياسية، أم مجموعات خارجة عن القانون؟".

وربط بارزاني بين حصر السلاح ومستقبل الاقتصاد العراقي، موضحاً أن السؤال الأول الذي تطرحه الشركات الدولية الكبرى عند دعوتها للاستثمار في العراق يتعلق بالأمن والاستقرار، وأن استمرار وجود سلاح لا يخضع بصورة كاملة للدولة يبعث برسائل سلبية إلى المستثمرين ويحد من قدرة البلاد على جذب رؤوس الأموال.

ومن هذا المنطلق، دعا القوى السياسية العراقية إلى مساندة رئيس الوزراء علي الزيدي في مشروع حصر السلاح، والعمل على انتقال الجماعات المسلحة إلى النشاط السياسي أو اندماج أفرادها ضمن المؤسسات الأمنية والعسكرية الرسمية وفق القانون.

وأكد أن معالجة هذا الملف لم تعد تحتمل التأجيل، محذراً من أن استمرار الوضع الحالي يمكن أن يقود العراق إلى عزلة في محيطه العربي والدولي.

ورفض بارزاني بشدة تصوير حصر السلاح باعتباره استجابة لضغوط أميركية، قائلاً إن الولايات المتحدة جاءت إلى العراق في مرحلة ما وستغادر في مرحلة أخرى، بينما العراقيون هم الذين سيبقون ويعيشون نتائج الخيارات التي تتخذها بلادهم اليوم.

وقال: "هذا ليس التزاماً أميركياً"، داعياً إلى طرح القضية من زاوية مختلفة: هل من مصلحة العراق أن تكون قرارات الحرب والسلم ومستقبله وعلاقاته الخارجية رهينة جماعات لا تخضع بالكامل لسلطة الدولة؟

واستشهد رئيس الإقليم بما تعرضت له كوردستان خلال السنوات الماضية، مشيراً إلى أن الإقليم تعرض لنحو ألف هجوم، قبل أن يضيف أن المشكلة لم تعد محصورة بكوردستان، إذ طالت الهجمات حتى مقرات أمنية عراقية داخل بغداد.

وبذلك وضع نيجيرفان بارزاني معادلة شديدة الوضوح أمام الطبقة السياسية العراقية، مفادها ان المسألة لم تعد خلافاً بين أربيل والفصائل، ولا استجابة لمطلب أميركي، بل اختياراً عراقياً خالصاً بين دولة تقرر وحدها متى تستخدم القوة، وبين سلاح قادر على جر البلاد إلى أزمات لم يقررها شعبها ولا حكومتها.

واللافت أن بارزاني، الذي عرف طوال مسيرته السياسية بلغة هادئة ودبلوماسية محسوبة، لم يلجأ هذه المرة إلى المنطقة الرمادية.. وحين يصل رجل اشتهر ببناء الجسور وتجنب القطيعة إلى حد القسم بأن العراق مهدد بالعزلة، فإن الرسالة تبدو أبعد من تحذير سياسي، وان الوقت يوشك على النفاد.