ما لم يقله بيان الرياض..
ماذا حمل الوفد الأمني العراقي إلى السعودية؟

ما لم يقله بيان الرياض..
ماذا حمل الوفد الأمني العراقي إلى السعودية؟

بغداد – سدن

لم تكن تركيبة الوفد العراقي الذي وصل إلى العاصمة السعودية الرياض، ولا توقيت الزيارة، يوحيان بأن الأمر يتعلق باجتماع أمني اعتيادي بين دولتين جارتين، فخلف العبارات الدبلوماسية التي تحدثت عن "تعزيز التنسيق والتعاون الأمني"، ثمة أسئلة أكبر فرضتها طبيعة المرحلة التي جاءت فيها الزيارة، حول ماذا أرادت بغداد أن تقوله للسعودية بعد الضربات الأخيرة؟ وماذا طلبت الرياض في المقابل؟

الوفد الذي ترأسه مدير مكتب القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول الركن عبد الأمير الشمري، وضم رئيس جهاز المخابرات حميد الشطري، وقائد الدفاع الجوي الفريق مهند الأسدي، ورئيس جهاز مكافحة الإرهاب الفريق الركن زيد حوشي، يمثل عملياً أبرز مفاصل المنظومة الأمنية والعسكرية المرتبطة مباشرة بقرار الدولة العراقية، وهذه التركيبة وحدها تمنح الزيارة وزناً يتجاوز بكثير ما ورد في البيانات الرسمية.

فالرياض لا تحتاج إلى وفد بهذا المستوى كي تسمع مجدداً أن العراق ملتزم بمبادئ حسن الجوار، كما أن تأكيد بغداد عدم السماح باستخدام أراضيها للاعتداء على دول أخرى سبق أن أعلنه رئيس الوزراء علي الزيدي بصورة واضحة، فما تحتاجه السعودية، بعد تعرض منشآتها لهجمات ارتبطت بفصائل مسلحة تعمل من الأراضي العراقية، ضمانات أمنية تحول دون تكرار ما حدث.

ومن هنا يمكن قراءة زيارة الرياض باعتبارها محاولة عراقية مباشرة لمعالجة تداعيات الأزمة وإعادة بناء الثقة بين الدولتين، بعد انتقال المواجهة بين السعودية والفصائل الموالية لإيران من مستوى التحذيرات والرسائل السياسية إلى استخدام القوة العسكرية.

وتعزز الملفات التي أعلنت بغداد نفسها أنها ستكون على طاولة المحادثات هذه القراءة، فوكالة الأنباء العراقية قالت إن الوفد سيناقش "الاعتداءات التي تعرضت لها المملكة" و"ملف الطائرات المسيرة"، إلى جانب تعزيز التنسيق الأمني.

ولا تبدو الإشارة إلى (المسيرات) مسألة عادية، خصوصاً أن الوفد يضم قائد الدفاع الجوي ورئيس جهاز المخابرات ورئيس جهاز مكافحة الإرهاب، وهي جهات يرتبط عملها مباشرة بكشف مصادر التهديدات، وتتبع الجهات المنفذة، واعتراض الطائرات المسيرة، وجمع المعلومات عن الجماعات التي تمتلك القدرة على تشغيلها.

ولهذا ترجح طبيعة الزيارة أن المحادثات دخلت في تفاصيل أكثر حساسية مما ظهر في البيانات، كمصادر إطلاق المسيرات، وقدرات الفصائل، وآليات المراقبة، وتبادل المعلومات الاستخبارية، والإجراءات التي تستطيع بغداد اتخاذها لمنع استخدام أراضيها في هجمات جديدة ضد المملكة.

من جهة أخرى، بدا الخطاب السعودي بعد اللقاء حريصاً بصورة لافتة على الفصل بين الدولة العراقية والفصائل المسلحة، وقال وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان عقب لقائه الشمري إن "العراق سيبقى جاراً عزيزاً"، مؤكداً أن المملكة ستقف مع العراق لدعم أمنه واستقراره وتنميته وازدهاره.

وبذلك تبدو الرياض وكأنها ترسم خطاً فاصلاً بين علاقتها ببغداد ومواجهتها مع الجماعات المسلحة، فالمملكة لا تتعامل مع العراق باعتباره خصماً، لكنها في الوقت نفسه لن تقبل بأن تتحول أراضيه إلى منصة لتهديد أمنها.

أما بالنسبة إلى حكومة الزيدي، فإن المهمة تبدو أكثر تعقيداً، فهي مطالبة بإثبات قدرتها على تنفيذ المبدأ الذي أعلنته بنفسها بأن لا تكون الأراضي العراقية منطلقاً أو ممراً لأي اعتداء على دول الجوار.

لهذا قد تكون زيارة الشمري ورفاقه إلى الرياض أقرب إلى مهمة احتواء وضمانات منها إلى زيارة بروتوكولية.

فالسعودية أثبتت بالفعل أنها مستعدة لاستخدام القوة عندما ترى أن أمنها يتعرض للتهديد، فيما تحاول بغداد إقناعها بأن الدولة العراقية قادرة على تولي المهمة بنفسها، وأن الرد على أي تهديد مستقبلي يمكن أن يمر عبر التعاون مع المؤسسات الرسمية بدلاً من انتقال المواجهة مجدداً إلى داخل العراق.

وبين هذين الموقفين قد يكون تشكل تفاهم غير معلن، بحيث تمنح الرياض بغداد فرصة لضبط الفصائل ومنع الهجمات، مقابل أن تتحمل الحكومة العراقية مسؤولية ضمان ألا تستخدم أراضيها مرة أخرى منصة لاستهداف المملكة.