سنوات الدكتاتورية لم تغلق كل حساباتها..
هل تفتح سوريا ملفات العراقيين الذين قاتلوا مع الأسد؟

سنوات الدكتاتورية لم تغلق كل حساباتها..
هل تفتح سوريا ملفات العراقيين الذين قاتلوا مع الأسد؟

دمشق - سدن

في خزائن الدولة السورية ملفات لألاف المقاتلين الأجانب الذين دخلوا البلاد خلال سنوات الحرب، وبينهم عراقيون قاتلوا إلى جانب نظام بشار الأسد ضمن فصائل مسلحة شاركت في معارك امتدت من دمشق وريفها إلى حمص وحلب ومناطق أخرى، وتسببت بمجازر للشعب السوري، ما تزال اثارها باقية.

وقد ظل هذا الملف، حتى وقت قريب، سياسياً وأمنياً أكثر منه قضائياً، لكن زيارة رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي فائق زيدان إلى دمشق، وما انتهت إليه من اتفاق على تشكيل لجان قضائية مشتركة وتبادل المعلومات بين البلدين، تضع للمرة الأولى إطاراً رسمياً يمكن أن تنتقل عبره ملفات تلك المرحلة من دمشق إلى بغداد.

ولا تقول السلطات السورية إن زيدان جاء لمناقشة المقاتلين العراقيين، كما لم يعلن الجانب العراقي تسلمه أسماء أو طلبات ملاحقة، والملف الرئيسي المعلن للزيارة هو وضع الموقوفين السوريين الذين نقلوا إلى العراق ضمن قضية مخيم الهول.

لكن الاتفاقات التي خرجت بها الزيارة أوسع من قضية الهول، فرئيس هيئة الإشراف القضائي العراقية، القاضي ليث جبر، أعلن الاتفاق على تشكيل لجان قضائية مشتركة تعقد اجتماعات متواصلة، إلى جانب تطوير تبادل المعلومات والخبرات والإعداد لمذكرات تفاهم قضائية بين البلدين، وهذه الآلية تمنح دمشق قناة لم تكن متاحة لها بهذه الصورة خلال الفترة الماضية، إذا قررت ملاحقة أشخاص تتهمهم بارتكاب جرائم على الأراضي السورية.

فمنذ السنوات الأولى للحرب السورية، عبر مقاتلون عراقيون شيعة الحدود للقتال إلى جانب قوات الأسد، قبل أن يتحول وجود الفصائل العراقية لاحقاً إلى أحد أبرز مكونات المحور العسكري الذي دعم النظام الدكتاتوري السابق، ضد الشعب السوري وثورته.

ولم تكن مشاركتهم محصورة في خطوط القتال التقليدية، إذ ارتبطت بتلك المرحلة انتهاكات وجرائم واسعة تعرض لها مدنيون في مناطق شهدت عمليات عسكرية وحصاراً وتهجيراً.

وكان سقوط النظام السوري قد غير الوضع القانوني والسياسي لهذه القضية، فالجهة التي كانت تستقبل تلك الفصائل وتوفر لها الغطاء داخل سوريا سقطت، وحلت محلها سلطة وريثة للدولة السورية ومالكة لحق التحقيق في الجرائم التي ارتكبت على أراضيها، بصرف النظر عن جنسية المتهم أو الجهة التي كان يقاتل إلى جانبها.

فإذا انتهت التحقيقات السورية إلى تحديد أسماء عراقيين ووقائع وأدلة مرتبطة بجرائم محددة، فإن دمشق تستطيع الانتقال من الاتهام السياسي العام للفصائل إلى مخاطبة الدولة العراقية بشأن أشخاص بأسمائهم، وهذا بالضبط ما يجعل فتح قناة مباشرة مع أعلى سلطة قضائية عراقية تطوراً يستحق التوقف عنده، فالفارق كبير بين أن تقول دمشق إن فصائل عراقية شاركت في قتل السوريين، وبين أن ترسل إلى بغداد ملفاً يتضمن اسم شخص، وتاريخ دخوله إلى سوريا، والتشكيل الذي عمل معه، والمكان الذي قاتل فيه، والواقعة المنسوبة إليه، والأدلة والشهادات المتوافرة بشأنها، مما يتعين على المؤسسات العراقية التعامل معها بطريقة أو بأخرى.

وتزداد حساسية الاحتمال بسبب عودة عدد ممن قاتلوا في سوريا إلى العراق، وفيهم كثيرون يتسلمون مواقع سياسية أو رسمية داخل الدولة العراقية، كمحافظ بابل الحالي علي تركي، أحد قادة مجزرة داريا في ريف دمشق، ولذلك فإن فتح الملفات السورية، لن يكون بحثاً عن مقاتلين مجهولين اختفوا بعد انتهاء الحرب، بل قد يضع القضاء العراقي أمام أسماء ومواقع وشبكات سياسية وفصائلية معروفة وحاضرة في المشهد العراقي.

والقاضي فائق زيدان هو نفسه من يمثل المؤسسة التي ستصل إليها في نهاية المطاف، أي مطالبة سورية ذات طبيعة قضائية، سواء تعلقت بالتحقيق مع مواطن عراقي أو تبادل الأدلة والمعلومات أو تنفيذ مذكرة قضائية أو بحث إمكانية المحاكمة والتسليم وفق القواعد القانونية النافذة، واستقبال الرئيس احمد الشرع له في قصر الشعب، بحضور وزير الخارجية أسعد الشيباني ووزير العدل مظهر الويس، أعطى هذا المسار ثقلاً سياسياً واضحاً، بعدما بدأت الزيارة أصلاً بدعوة من وزارة العدل السورية.

أما المسألة الأكثر أهمية بالنسبة إلى بغداد لن تكون وجود أسماء عراقية لدى السوريين من عدمه، بل نوع المعلومات التي تمكنت المؤسسات السورية الجديدة من جمعها بعد سقوط النظام، فالسيطرة على مؤسسات الدولة وأرشيفاتها، إلى جانب ما تراكم لدى القوى السورية خلال سنوات الحرب من وثائق وشهادات ومواد مصورة، يمكن أن يوفر مادة واسعة لإعادة بناء ملفات أفراد وجماعات شاركت في العمليات العسكرية.

وحتى الآن، لا توجد معلومات معلنة تفيد بأن دمشق سلمت زيدان أسماء عراقيين أو طلبت توقيف أي شخصية على خلفية مشاركتها في الحرب السورية، لكن الاتفاق على تبادل المعلومات وإنشاء لجان مشتركة يعني أن وسيلة التواصل بين القضائين السوري والعراقي، قد أصبحت موجودة، وعند وصول أول ملف موثق يحمل اسم عراقي شارك في جرائم على الأراضي السورية، ستبدأ القصة التي قد تكون زيارة فائق زيدان إلى دمشق قد كتبت اليوم أول سطر قانوني فيها.