لندن – سدن
لا ينبغي التعامل مع تصريح ترامب باعتباره مجرد واحدة من عباراته الاستعراضية، فخلف المبالغة في القول إن هرمز سيصبح "تابعاً للولايات المتحدة" فكرة استراتيجية حقيقية بدأت تتشكل، تتمثل في انتزاع المضيق من منظومة الردع الإيرانية.
فإذا نجحت واشنطن في ضمان مرور تجارة الخليج، وفي الوقت نفسه أبقت الموانئ الإيرانية تحت الحصار، فإن نتيجة الحرب لن تكون اقتصادية فقط، بل ستخسر إيران سلاحاً ظلت تعتقد أنه غير قابل للخسارة، الا وهو ميزة الجغرافيا.
لكن التاريخ يخبرنا أيضاً بأن احتلال موقع في ميزان القوة أسهل من الاحتفاظ به.
ولذلك فإن السؤال الذي سيحدد مستقبل هرمز ليس ما إذا كانت المدمرات الأميركية تستطيع دخوله.. فهي تستطيع، ولا ما إذا كانت واشنطن تستطيع هزيمة القوات الإيرانية في مواجهة بحرية تقليدية، فميزان القوة واضح، وانما السؤال الحقيقي هو: هل تستطيع الولايات المتحدة تحويل تفوقها العسكري إلى سيطرة سياسية دائمة على مضيق يقع على بعد آلاف الأميال من شواطئها، وعلى أمتار من شواطئ خصمها؟
إذا كانت الإجابة نعم، فإن ما يجري ليس مجرد فصل آخر من الحرب الأميركية – الإيرانية، إنه تغيير في ميزان القوة الذي حكم الخليج طوال نصف قرن، أما إذا استطاعت إيران، بالصواريخ والمسيرات والاستنزاف وكلفة التأمين والخوف، أن تجعل السيطرة الأميركية اسماً بلا مضمون، فستكون قد أثبتت حقيقة أخرى، مفادها انه يمكن للقوة العظمى أن تسيطر على البحر، لكن الجغرافيا تبقى دائماً في انتظارها على الشاطئ.
كابلان.. انتقام الجغرافيا في هرمز
وبمنظور المفكر الامريكي روبرت د. كابلان في كتابه (انتقام الجغرافيا)، فإن مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي تستطيع قوة عسكرية أن تنتزعه من أخرى، بل جزء من القوة التي منحتها الجغرافيا لإيران، فطهران لا تحتاج إلى امتلاك البحر كله كي تؤثر فيه، يكفي أنها تجلس على ضفته، عند واحدة من أكثر نقاط العالم حساسية، ومن هنا، فإن التفوق البحري الأميركي قد يمنح واشنطن السيطرة العملياتية على المضيق، لكنه لا يلغي الحقيقة التي يقوم عليها منطق كابلان، المتمثلة في ان الأساطيل تستطيع أن تأتي وتبقى سنوات، وربما عقوداً، أما إيران فباقية هناك بحكم الخريطة.. ولذلك فإن التحدي الأميركي في هرمز ليس هزيمة البحرية الإيرانية فحسب، بل في هزيمة الامتياز الذي منحته الجغرافيا لإيران من دون أن تستطيع تغيير الجغرافيا نفسها.
محمد إحسان: ترامب لا يريد امتلاك هرمز.. بل امتلاك القرار فيه
البروفيسور محمد احسان، عالم السياسة واستاذ القانون الدولي البارز، يرى ان العبارة تبدو أقرب إلى اللغة السياسية منها إلى إعلان يمكن تحويله إلى سيادة أميركية فعلية، فالمضيق ليس أرضاً بلا صاحب، ولا ممراً تستطيع قوة عظمى ضمه بقرار رئاسي، إنه ممر دولي شديد الخصوصية، تتداخل عند أضيق نقاطه المياه الإقليمية الإيرانية والعُمانية، لكن السياسة لا تقرأ دائماً بالقانون وحده، فترامب لا يتحدث، على الأرجح، عن رفع العلم الأميركي فوق هرمز، بل عمن يملك القدرة على تقرير ما يحدث في المضيق.
إيران.. قوة المكان
ويقول البروفيسور احسان، منذ عقود امتلكت إيران في هرمز امتيازاً لا تمنحه الميزانيات العسكرية ولا يمكن شراؤه بالسلاح الا وهو الجغرافيا، فالدول تستطيع شراء حاملات الطائرات والصواريخ والغواصات، لكنها لا تستطيع شراء موقعها على الخريطة، وإيران تجلس على الضفة الشمالية لأحد أهم الممرات البحرية في العالم، لهذا لم يكن هرمز بالنسبة إلى طهران مجرد مياه تمر عبرها ناقلات النفط، بل جزءاً من فلسفتها في الردع، فالرسالة الإيرانية بسيطة، ومفادها انه قد تكون الولايات المتحدة أقوى منا عسكرياً، وقد تستطيع ضرب منشآتنا وقواعدنا، لكننا نقف بجوار شريان يحتاج إليه العالم كله، وبمعنى آخر، إيران تعوض جانباً من اختلال ميزان القوة العسكري بـامتياز المكان، ولهذا كانت عبارة (إغلاق هرمز) طوال عقود أكثر من تهديد عسكري، بل إعلاناً بأن أي حرب كبرى على إيران يمكن أن يتحمل العالم جزءاً من كلفتها.
أميركا تأتي بالسلاح لمواجهة الجغرافيا
ويضيف البروفيسور احسان، ان الجديد اليوم هو الولايات المتحدة تحاول قلب المعادلة، فبدلاً من أن يكون السؤال: هل تستطيع إيران إغلاق هرمز؟ أصبح السؤال: هل تستطيع أميركا إبقاء هرمز مفتوحاً لمن تريد، ومغلقاً أمام إيران نفسها؟ فإذا استطاعت واشنطن - برأي البروفيسور احسان- تحقيق ذلك بصورة مستدامة، فإننا لا نتحدث عن عملية بحرية ناجحة فقط، بل عن انقلاب في مفهوم السيطرة على المضيق، مفادها ان إيران تملك الجغرافيا (الساحل).. لكن الولايات المتحدة قد تمتلك البحر وحرية الحركة داخل تلك الجغرافيا.
وهنا يمكن فهم عبارة ترامب بصورة مختلفة تماماً.. في إنه لا يقول بالضرورة: هذا المضيق أصبح أرضاً أميركية.. بل يقول سياسياً: القرار في هرمز لم يعد إيرانياً.
عسكرياً.. السيطرة أصعب من الانتصار
من جهته، يرى اللواء العراقي المتقاعد سعد الراوي، فارقاً كبيراً بين السيطرة على هرمز في لحظة تفوق عسكري وبين الاحتفاظ بهذه السيطرة، فالولايات المتحدة تمتلك تفوقاً بحرياً وجوياً واستخبارياً هائلاً، ويمكنها نشر المدمرات والطائرات والغواصات وأنظمة المراقبة حول المضيق، ومرافقة السفن وملاحقة التهديدات الإيرانية، لكن هرمز ليس محيطاً مفتوحاً.. إنه ممر ضيق تحيط به سواحل وجزر ومواقع يمكن أن تنطلق منها المسيرات والصواريخ والزوارق الصغيرة، فضلاً عن خطر الألغام والعمليات غير المتناظرة، وهذه تحديداً البيئة التي بنت إيران جزءاً كبيراً من عقيدتها البحرية من أجلها، فطهران لا تحتاج إلى هزيمة الأسطول الأميركي كي تنازع واشنطن السيطرة على هرمز، يكفيها أن تجعل السيطرة الأميركية باهظة الثمن، وهذه نقطة عسكرية شديدة الأهمية.
ويضيف اللواء الراوي، ان السيطرة البحرية لا تعني أن تمتلك أكبر سفينة، وإنما أن تستطيع ضمان استخدام البحر باستمرار ومنع خصمك من تعطيله، لذلك قد تستطيع الولايات المتحدة الانتصار في عشرات الاشتباكات، لكن الاختبار الحقيقي سيكون في قدرتها على حماية الملاحة يوماً بعد يوم، وأسبوعاً بعد أسبوع، وشهراً بعد شهر.
من سلاح إيراني.. إلى سلاح ضد إيران
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت يتحدث عن إجراءات غير مسبوقة وعن الجمع بين العزلة المالية والحصار البحري، وهذا يعني أن واشنطن تحاول بناء كماشة ذات ذراعين: الأولى مالية، تخنق قدرة إيران على التجارة والوصول إلى النظام المالي. والثانية بحرية، تضرب قدرتها المادية على إدخال السلع وإخراجها، وعند هذه النقطة يحدث التحول التاريخي الأخطر بالنسبة إلى طهران.
فالمضيق الذي كانت إيران تستخدمه للقول للعالم إذا خنقتمونا سنخنق تجارة المنطقة، قد يتحول إلى أداة تقول من خلالها واشنطن ان تجارة المنطقة ستستمر.. وأنتم وحدكم ستخنقون.
وإذا نجحت هذه المعادلة، تكون الولايات المتحدة قد فعلت شيئاً أكبر من فتح ممر ملاحي، تكون قد استولت سياسياً على إحدى أهم أوراق الردع الإيرانية.
البحر في مواجهة الأرض
ثمة معنى أعمق لما يحدث.. ففي التاريخ، كانت هناك دائماً قوتان تتصارعان: قوة الأرض وقوة البحر، فالدول التي تسيطر على اليابسة تستمد قوتها من الجغرافيا والحدود والعمق الاستراتيجي، بينما تبني القوى البحرية نفوذها على القدرة على الحركة والوصول والتحكم بالتجارة، وإيران دولة أرضية بامتياز، أما الولايات المتحدة فهي، منذ صعودها قوة عالمية، قوة بحرية بامتياز.
ولهذا فإن هرمز يمثل مكاناً مثالياً لتلتقي فيه الفلسفتان وجهاً لوجه، فإيران تقول: أنا هنا لأن الجغرافيا وضعتني هنا، وأميركا تقول: أنا هنا لأن القوة تستطيع الوصول إلى هنا. إيران تستند إلى الساحل، وأميركا تستند إلى الأسطول.
ومن هنا فإن المعركة ليست فقط حول بضعة أميال بحرية، وإنما حول سؤال قديم في العلاقات الدولية، مفاده من يصنع السيادة الفعلية؟ هل من يملك المكان، أم من يستطيع التحكم بما يحدث داخله؟