لندن - سدن
أقر مجلس الوزراء الألماني اليوم، إصلاحاً لنظام تأمين الرعاية طويلة الأجل، في محاولة لتجنب عجز كان يهدد بالوصول إلى نحو ثمانية مليارات يورو، بينما تشير الأرقام الحكومية إلى أن عدد الأشخاص المحتاجين إلى الرعاية طويلة الأمد تضاعف ثلاث مرات تقريباً خلال عشرين عاماً ليقترب من ستة ملايين شخص.
وهذه ليست أزمة ألمانية استثنائية، بل نسخة متقدمة من سؤال سيواجه معظم الاقتصادات الغنية، حول ماذا يحدث لدولة الرفاه حين يعيش الناس أطول، وينجبون أقل، ويصبح عدد من يحتاجون إلى الرعاية أكبر بينما ينكمش نسبياً عدد العاملين الذين يمولونها ويقدمونها؟
وتختلف الرعاية طويلة الأجل عن العلاج الطبي، فالمريض قد يدخل المستشفى أسبوعاً ثم يخرج، أما المسن المصاب بالخرف أو محدود الحركة فقد يحتاج إلى مساعدة يومية لسنوات في الاستحمام واللباس والطعام والدواء والحركة، ولهذا فإن كلفتها لا تأتي دائماً من تقنية طبية باهظة، بل من الوقت البشري، وهو مورد لا يمكن ضغطه بسهولة، بحيث تستطيع آلة أن تساعد الممرض، لكنها لا تستطيع حتى الآن اختصار نصف ساعة من العناية بشخص ضعيف إلى خمس دقائق من دون أن تتغير جودة الرعاية.
وألمانيا أنشأت تأمين الرعاية طويلة الأجل في التسعينيات بوصفه ركناً من نظام الحماية الاجتماعية، لكنه صمم في مجتمع أصغر سناً مما هو عليه اليوم، ومع انتقال جيل طفرة المواليد إلى الأعمار المتقدمة، تتغير الحسابات بسرعة، وهذه هي المشكلة الكلاسيكية للأنظمة الممولة من الاشتراكات الحالية، فإذا زاد المستفيدون أسرع من المساهمين، يجب رفع الاشتراك أو خفض المنفعة أو إضافة تمويل ضريبي أو تحسين الكفاءة، ولا توجد معادلة خامسة سحرية.
وتظهر الأسرة في قلب المسألة، فجانب كبير من الرعاية غير مدفوع الأجر تقدمه الزوجة أو الزوج أو الابن أو الابنة، وهذا يوفر على الدولة مليارات لكنه يحمل كلفة مخفية، شخص يقلل ساعات عمله أو يترك وظيفته أو يتعرض للإرهاق، ومع تقلص حجم الأسر وانتقال الأبناء إلى مدن أخرى وارتفاع مشاركة النساء في سوق العمل، يصبح افتراض وجود قريب متفرغ أقل واقعية.
كما أن القطاع يعاني نقص العمالة، وهي مفارقة ديموغرافية مزدوجة، فالشيخوخة تزيد الطلب على مقدمي الرعاية وفي الوقت نفسه تقلل المعروض المحلي من العمال الشباب، ولهذا تعتمد دول أوروبية على الهجرة لسد الفجوة، فتتحول سياسة الرعاية إلى جزء من سياسة الهجرة حتى إذا لم يعترف الخطاب السياسي بذلك.
وتستطيع التكنولوجيا أن تساعد في بعض الوظائف، من خلال أجهزة مراقبة السقوط، والروبوتات المساعدة، والملفات الرقمية، وأدوات الذكاء الاصطناعي التي تقلل العمل الإداري، لكنها لا تلغي الحاجة إلى إنسان، والرعاية تحديداً مجال يوضح حدود قياس الإنتاجية بالطريقة الصناعية، إذا أمضى مقدم الرعاية عشر دقائق يتحدث مع مسن وحيد، فقد تبدو الدقائق (غير منتجة) في جدول الكفاءة، لكنها قد تكون جزءاً أساسياً من جودة الحياة.
ومن هنا يجب أن يكون النقاش أوسع من سد عجز مالي لعام واحد، والسؤال هو كيف توزع الدولة كلفة الشيخوخة بين الأجيال، وما الحد الذي يتحمله الفرد من مدخراته، وما الذي يضمنه التأمين، وكيف تحمي مقدم الرعاية العائلي من الانهيار الاقتصادي.
كما تحتاج الدول إلى الاستثمار في الوقاية، فكل سنة إضافية يعيشها الإنسان مستقلاً في منزله بدلاً من احتياج رعاية كثيفة توفر موارد وتحسن حياته في الوقت نفسه، ولهذا تصبح الوقاية من السقوط، وعلاج السمع والبصر، والنشاط البدني، وتصميم المنزل، والنقل العام الملائم للمسنين جزءاً من اقتصاد الرعاية لا مجرد نصائح صحية.
وتطرح الشيخوخة أيضاً سؤال السكن، فدور الرعاية مكلفة ولا يرغب كثير من الناس في الانتقال إليها، بينما يمكن لتعديل المنزل وخدمات مجتمعية متنقلة أن تؤخر الحاجة إليها، لكن ذلك يحتاج إلى تخطيط عمراني وتمويل ويد عاملة، أي أن الرعاية ليست ملف وزارة الصحة وحدها.
إن رقم الستة ملايين في ألمانيا ليس مجرد إحصاء اجتماعي، بل صورة مبكرة لمستقبل أوروبا واليابان وكوريا ودول أخرى، فنجاح الطب في إطالة العمر صنع تحدياً مالياً وأخلاقياً جديداً، هو كيف نضمن أن السنوات الإضافية لا تتحول إلى سنوات من العزلة أو الرعاية الرديئة.
والإصلاح الألماني قد يوازن الصندوق فترة، لكن الديموغرافيا لن تتوقف عند قانون واحد، فدولة الرفاه التي بنيت في القرن العشرين حول التعليم والعمل والتقاعد ستحتاج في القرن الحادي والعشرين إلى ركن رابع أكثر وضوحاً، الا وهو: الرعاية.
فالمجتمع الذي ينجح في جعل أفراده يعيشون أطول، لا يستطيع اعتبار ما يحدث لهم بعد ذلك مشكلة عائلية خاصة.