لندن - سدن
حين يصدر جهاز الاستخبارات الداخلية البريطاني تحذيراً موجهاً إلى الجامعات والباحثين، فإن القصة لم تعد خلافاً تجارياً بين لندن وبكين، بل أصبحت تمس تعريف الجامعة نفسها، فالمؤسسة التي بنت قوتها على تبادل المعرفة والانفتاح الدولي تجد نفسها مطالبة اليوم بأن تتعامل مع بعض عروض التعاون الأكاديمي باعتبارها احتمالاً أمنياً.
واليوم 30 سبتمبر، أصدر MI5 تحذيراً غير مسبوق بشأن منظمة صينية قال إنها تستخدم صلات أكاديمية لاستهداف أبحاث بريطانية في الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية وأشباه الموصلات وغيرها من التقنيات المتقدمة، في تطور يعكس انتقال التنافس بين الدول الكبرى من سرقة الوثيقة العسكرية التقليدية إلى الوصول المبكر إلى المعرفة التي قد تصبح بعد سنوات أساساً لصناعة أو سلاح.
وتعد الجامعات البريطانية بيئة مثالية للتعاون الدولي، وهذا تحديداً ما يجعل حماية الأبحاث فيها أكثر تعقيداً من حماية مختبر عسكري، فالباحث ينشر أوراقه، ويحضر المؤتمرات، ويشارك البيانات، ويستقبل طلاباً من أنحاء العالم، لأن المعرفة العلمية تتقدم حين تتبادلها المؤسسات، ولذلك فإن فرض عقلية أمنية كاملة عليها يمكن أن يقتل الخاصية التي تجعلها ناجحة، لكن التقنيات ذات الاستخدام المزدوج غيرت المعادلة، فخوارزمية رؤية حاسوبية يمكن أن تستخدم في الطب أو في طائرة مسيرة، ومادة جديدة يمكن أن تدخل بطارية مدنية أو نظاماً دفاعياً، والحوسبة الكمومية يمكن أن تخدم البحث الأساسي وفي الوقت نفسه تغير مستقبل التشفير.
ولهذا لا يقول التحذير إن كل تعاون صيني مشبوه، وهي نقطة ضرورية في بلد تستضيف جامعاته آلاف الباحثين والطلاب الصينيين، وإنما يركز على أساليب مؤسسات أو واجهات يمكن أن تخفي صلتها بالدولة أو بالأهداف الاستراتيجية.
والمشكلة هنا أن الباحث ليس ضابط استخبارات مدرباً، عندما يتلقى عرضاً لتمويل مؤتمر أو مشروع مشترك أو زيارة إلى مختبر، قد يراه فرصة علمية طبيعية، فيما يستطيع الطرف الآخر استخدام العلاقة لرسم خريطة الأشخاص والتقنيات والاتجاهات البحثية قبل أن تتحول إلى ملكية فكرية تجارية.
وهذا التحول ليس بريطانياً وحده، فالولايات المتحدة وأوروبا واليابان وأستراليا شددت خلال السنوات الماضية قواعد الاستثمار وتصدير التقنيات والتعاون البحثي في مجالات حساسة، فيما تقول الصين بدورها إن الغرب يستخدم الأمن القومي ذريعة لتقييد صعودها التكنولوجي، ومن الناحية الصينية، يمكن تصوير القيود على الباحثين والشركات باعتبارها محاولة للحفاظ على احتكار غربي للتكنولوجيا، بينما ترى الحكومات الغربية أن المشكلة ليست في المنافسة العلمية الطبيعية، بل في استخدام مؤسسات الدولة للوصول إلى المعرفة بطرق غير شفافة.
وتقف الجامعات في المنتصف، فإذا بالغت في الحذر، قد تخسر مواهب وتمويلاً وتعاوناً علمياً ضرورياً، وإذا كانت ساذجة، قد تنقل سنوات من العمل إلى جهة لا تعرف أهدافها، ومن هنا ظهر مفهوم (أمن البحث) بوصفه تخصصاً قائماً بذاته، لا يطلب من العالم أن يتحول إلى رجل أمن، بل أن يعرف من يمول المشروع، وما الجهة الشريكة، وما البيانات التي ستغادر المختبر، وما القيود القانونية على التقنية.
والأمر أكثر حساسية في الذكاء الاصطناعي، لأن المعرفة لا تتجسد دائماً في آلة يمكن حراستها خلف باب، فأحياناً يكون الأصل الأهم هو خبرة الباحث نفسه أو طريقة التدريب أو مجموعة البيانات أو تحسين صغير لم ينشر بعد، ولذلك يمكن نقل قيمة كبيرة خلال محادثات تبدو عادية، كما أن السباق العالمي على الباحثين جعل الجامعات نفسها هدفاً استراتيجياً، لان الدولة التي لا تستطيع إنتاج عدد كافٍ من الخبراء محلياً تستطيع محاولة جذبهم أو بناء علاقات معهم.
لكن الخطر المقابل هو تحويل الجنسية إلى قرينة اشتباه، وهو ما يمكن أن يضر الجامعات البريطانية أكثر مما يحميها، فجزء كبير من قوة العلوم البريطانية جاء من قدرتها على استقطاب أشخاص من خارج البلاد، والصينيون من أكبر مجموعات الطلاب الدوليين فيها، كما أن باحثين من أصول صينية يعملون في مختبرات بريطانية منذ سنوات بوصفهم جزءاً من النظام العلمي البريطاني نفسه، ولذلك يجب أن تستهدف إجراءات الأمن السلوك والجهة والتمويل والمخاطر التقنية، لا الهوية.
وتكشف القضية كذلك أن (التجسس) في القرن الحادي والعشرين أصبح أقل سينمائية، فلم يعد العميل يحتاج دائماً إلى تصوير ملف سري في منتصف الليل، بل يستطيع الوصول إلى مؤتمر، أو تمويل مشروع، أو شركة ناشئة خرجت من الجامعة، أو علاقة استشارية، ثم يجمع أجزاء متفرقة لا يبدو أي منها سرياً بمفرده، وحين تتراكم الأجزاء، تنتج صورة ذات قيمة استراتيجية.
ولهذا فإن التحذير البريطاني ليس إعلاناً عن إغلاق أبواب الجامعات أمام الصين، بل إشارة إلى أن عصر البراءة الأكاديمية انتهى في بعض المجالات، فالعلم سيظل دولياً، وبريطانيا تحتاج إلى أن يبقى كذلك لأنها لا تستطيع وحدها تمويل أو إنتاج كل المعرفة، لكن الانفتاح الذي لا يعرف من يدخل من الباب ليس انفتاحاً مستداماً.
وفي زمن أصبحت فيه الخوارزمية والرقاقة والمختبر جزءاً من القوة الوطنية، ستضطر الجامعة إلى تعلم مهارة لم تكن في صميم رسالتها التقليدية، حيث كيف تبقى مفتوحة بما يكفي كي تنتج العلم، وحذرة بما يكفي كي لا تفقده.