تفكيك

خريطة من 6.3 ملايين خلية..
العلماء يقتربون من فهم كيف يشيخ العقل قبل أن يمرض

لندن - سدن
30 سبتمبر 2026
خريطة من 6.3 ملايين خلية..
العلماء يقتربون من فهم كيف يشيخ العقل قبل أن يمرض

لندن - سدن

نجح فريق بحثي دولي في بناء واحدة من أوسع الخرائط حتى الآن لنشاط الجينات في القشرة الجبهية الأمامية للدماغ البشري، مستنداً إلى عينات من 1,494 متبرعاً تراوحت أعمارهم من الطفولة إلى 108 سنوات، وتحليل أكثر من 6.3 ملايين خلية، في مشروع يهدف إلى فهم كيف يتغير الدماغ عبر العمر وكيف تتقاطع هذه التغيرات مع أمراض مثل ألزهايمر وباركنسون وخرف أجسام ليوي والخرف الوعائي.

والقيمة الأساسية للمشروع لا تكمن في العثور على (جين زهايمر) واحد، لأن الأمراض العصبية المعقدة لا تعمل بهذه البساطة، بل في رؤية أي الجينات تنشط داخل أي نوع من الخلايا وفي أي عمر، فالدماغ ليس كتلة واحدة من الخلايا العصبية، اذ توجد خلايا مناعية وداعمة وأنواع متعددة من العصبونات، وكل منها يغير سلوكه مع الزمن والمرض.

وهذا يشبه الانتقال من خريطة بلد تظهر المدن الكبرى إلى خريطة شوارع مفصلة، فالدراسات القديمة التي تحلل قطعة نسيج كاملة ترى متوسط النشاط الجيني، لكن المتوسط يستطيع إخفاء تغير مهم يحدث في مجموعة صغيرة من الخلايا، وتقنيات الخلية الواحدة تسمح بفصل الأصوات، فتظهر أي خلية تفعل ماذا.

واختار الباحثون القشرة الجبهية الأمامية لأنها منطقة أساسية في اتخاذ القرار وتنظيم المشاعر والسلوك المرن، وهي وظائف ترتبط بما نسميه في الحياة اليومية (الشخصية) والقدرة على التخطيط، كما تتأثر هذه المنطقة بدرجات مختلفة في الشيخوخة والأمراض العصبية والنفسية.

ومن النتائج اللافتة وجود أنماط مشتركة بين أمراض تبدو سريرياً مختلفة، خصوصاً في مسارات مرتبطة بتطور الخلايا العصبية ووظائف المناعة والدعم، وهذا لا يعني أن ألزهايمر وباركنسون مرض واحد، بل أن طرقاً بيولوجية معينة قد تتقاطع، ما يفتح احتمال أن يكون علاج يستهدف مساراً مشتركاً مفيداً في أكثر من حالة.

كما درس المشروع أشخاصاً كانت أدمغتهم تحمل تغيرات مرضية مرتبطة بألزهايمر لكنهم حافظوا على وظائف معرفية أفضل مما كان متوقعاً، وهي ظاهرة مهمة لفهم المرونة الدماغية، فإذا عرف الباحث لماذا يستطيع شخص تحمل مقدار من التلف بينما يفقد آخر ذاكرته، فقد يجد أهدافاً علاجية لا تمنع كل المرض بل تجعل الدماغ أكثر قدرة على مقاومة أثره.

وتظهر الشيخوخة هنا كعملية غير متجانسة، فبعض التغيرات تبدأ مبكراً، وبعضها يستقر في منتصف العمر ثم يتسارع لاحقاً، كما تتغير الخلايا المناعية والداعمة بطرق قد تكون جزءاً من الشيخوخة الطبيعية أو من بداية المرض، ولهذا يصبح الفصل بين (الطبيعي) و(المرضي) أكثر دقة من وضع عمر معين كحد.

ووجد الباحثون أيضاً تغيرات في تنسيق الإيقاعات اليومية مع التقدم في العمر، وهي إشارة مثيرة لأن النوم والساعة البيولوجية يرتبطان بالصحة المعرفية، لكن العلاقة السببية تحتاج إلى مزيد من البحث، فلا يكفي أن نرى الارتباط كي نقول إن اضطراب النوم يسبب الخرف أو العكس.

وتكمن أهمية التنوع في العينات أيضاً في تجنب خطأ تاريخي في الطب الجيني، حيث بنيت كثير من الدراسات على مجموعات سكانية محدودة ثم عممت النتائج، فإذا كانت المخاطر الوراثية تختلف في تواترها أو أثرها بين الأصول، فإن علاجاً شخصياً يحتاج إلى بيانات تمثل البشر بصورة أوسع.

لكن الخريطة ليست علاجاً بعد، وهي نقطة ضرورية كلما نشرت دراسة جينية ضخمة، فمعرفة المسار لا تعني أن لدينا دواء آمناً لتغييره، وقد تمر سنوات بين اكتشاف الهدف وتحويله إلى علاج، فبعض الجينات تؤدي وظائف متعددة، والتدخل فيها قد يحل مشكلة ويخلق أخرى.

ومع ذلك، فإن الطب العصبي يحتاج إلى هذه الخرائط لأن الدماغ ظل أصعب أعضاء الجسم في الوصول والفحص المباشر، لان الطبيب يستطيع أخذ خزعة من ورم أو فحص الدم مراراً، لكنه لا يستطيع أخذ عينة من القشرة الجبهية لشخص سليم كل عشر سنوات كي يراقب الشيخوخة، ولذلك تعتمد الأبحاث على التبرع بعد الوفاة وعلى دمج العينات في صورة زمنية واسعة.

ومن هنا يصبح المتبرعون أنفسهم جزءاً أساسياً من العلم، فـ 1,494 حياة تحولت بعد نهايتها إلى بيانات تسمح للباحث برؤية قرن تقريباً من تطور الدماغ البشري.

إن التقدم في أبحاث الخرف لن يأتي بالضرورة من اكتشاف واحد درامي، بل من بناء خرائط أدق فأدق، حتى يصبح المرض الذي يبدو اليوم اسماً واحداً، مجموعة مسارات يمكن تمييزها وعلاجها بطريقة مختلفة، والـ6.3 ملايين خلية لا تقدم وعداً بعلاج غداً، لكنها تقلل مساحة الجهل التي يعمل داخلها الطب، وفي أمراض معقدة مثل ألزهايمر، قد تكون الخريطة الجيدة أول دواء غير مباشر نصنعه.

شارك المقال f 𝕏 in